ما بعد “الزلزال”: رحيل السيد الخامنئي يفتح “كتاباً جديداً” للمنطقة والشرق الأوسط
كتب علي خليفة :
في زمنٍ تتآكل فيه اليقينات كما يتآكل المعدن في ماءٍ مالح ، لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض حلفائهما من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، مواجهةً عسكرية تقليدية تُقرأ في نشرات الأخبار ، بل تحوّلت إلى صراعٍ على هندسة الزمن نفسه …
من يبطئه ؟
من يسرّعه ؟
ومن يملك حقّ إغلاقه أو إبقائه مفتوحاً على هاوية الاحتمالات ؟
وفي قلب هذا المشهد المتشظي ، يقع حدثٌ تتجاوز أصداؤه الجغرافيا :
إغتيال السيد أو المرشد وعدد من قياداته …
ليس الحدث ضربةً لجسد الدولة فقط ، بل ثقبٌ في سقفها الرمزي ، كأن السماء التي كانت تظلّل بنية القرار قد انفلقت فجأة …
في الأنظمة التي تمزج العقيدة بالسياسة ، لا يكون القائد وظيفة ، بل محور ومعنى ؛ وعندما يُستهدف المعنى ، لا تسقط الدولة فوراً ، لكنها تدخل طوراً من إعادة تعريف ذاتها تحت ضغط النار …
استشهاد المرشد ….
إستشهاده في هذا التصور ، لا يُنتج فراغاً بقدر ما يُطلق سباقاً خفياً على احتكار “تفسير اللحظة” …
من يملك رواية الدم ، يملك توجيه المستقبل …
هنا قد تنقسم إيران بين من يرى في الاستشهاد دعوةً إلى تصعيدٍ يتجاوز الحسابات ، وبين من يقرأه كإشارة قاسية إلى ضرورة إعادة صياغة العلاقة مع العالم ….
لكن المتوقع أن يتحول الدم إلى عقيدة إضافية ، فتُختزل الدولة في سردية ثأرٍ طويل ، لا يهدف إلى الانتصار بقدر ما يسعى إلى منع الخصم من الشعور بالأمان …
غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود طهران ، فإذا كان استهداف المرشد قد تم بغطاءٍ أو مباركة من واشنطن وتل أبيب ، فإن الرسالة ليست فقط كسر رأس خصم ، بل إعلان أن قواعد الاشتباك القديمة انتهت . وحين تُشرعن سابقة كهذه ، فإن النظام الدولي لا يعود شبكة قوانين ، بل حلبة مفتوحة لمن يجرؤ أكثر …
.
في هذا الأفق، تتحول الحرب إلى ما يشبه “حرب الظلال الدائمة” ؛ لا جبهات واضحة، بل مساحات رخوة :
الفضاء السيبراني …
الممرات البحرية …
سلاسل الإمداد …
أسواق الطاقة …
وحتى المزاج العام للشعوب …
يصبح الاقتصاد سلاحاً ، والعملة ذخيرة ، والمعلومة قذيفةً بطيئة الانفجار …
لا نهاية تُعلن ، بل إنهاكٌ متراكم ، كأن المنطقة تدخل زمناً بلا فصول ، صيفاً حارا دائماً من التوتر …
قد يظنّ خصوم إيران أن استهداف المرشد يفتح باب التفكك الداخلي ، غير أن التاريخ يهمس بعكس ذلك أحياناً ؛ فالأنظمة التي تُضرب في رموزها قد تعيد إنتاج تماسكٍ قاسٍ ، يُحوّل الاستشهاد إلى حجر زاوية في هوية جديدة ؛ وهنا يكمن الاحتمال الأخطر :
أن يتحول الفعل الذي أُريد له أن يكون إنهاءً لمرحلة ، إلى شرارة تعيد تعريف الصراع كصراع وجود ، لا صراع نفوذ …
لكن ثمة احتمالاً أبعد ، أقل تداولاً وأكثر تعقيداً :
أن يؤدي الاستشهاد إلى انقسام صامت داخل بنية القرار العالمي نفسه ؛ فروسيا والصين ، وإن لم تدخلا المواجهة مباشرة ، ستقرآن الحدث كسابقة تمسّ توازن الردع الدولي ؛وإذا ما ترسّخ منطق استهداف الرؤوس ، فقد نشهد سباقاً عالمياً نحو بناء أنظمة ظلّ قيادية ، هياكل قرار موزّعة ، لا تعتمد على شخصٍ واحد يمكن إسقاطه ؛ عندها لن يتغير الشرق الأوسط فقط ، بل مفهوم القيادة في القرن الحادي والعشرين …
وفي سيناريو أكثر جرأة ، قد يتحول الاستشهاد إلى نقطة انعطاف غير متوقعة :
قيادة إيرانية جديدة ، أقل ارتباطاً بالشخص وأكثر ارتباطاً بالمؤسسة ، تستثمر لحظة الألم لإطلاق مراجعة كبرى ، توازن بين حفظ الهيبة وفتح قنوات تفاوض سرية …
هنا يصبح الدم جسراً لا جداراً ، ويغدو الاستهداف القاسي مدخلاً إلى صفقة تاريخية تعيد رسم خرائط الأمن الإقليمي …
ورغم كل الحسابات الباردة، يبقى بعد إنساني يليق بالنعي :
فقد رحل مرجع عالمي شريف، نذر نفسه لقضيته وآمن بها حتى النهاية ، وقاتل في سبيلها بإخلاص ، حتى لو لم يوافق البعض على تفاصيل طريقته أو قضيته …
في نظر مؤيديه، لم يكن مجرد قائد دولة ، بل صوتاً لهويةٍ وتاريخٍ ورؤية للعالم ، استشهد وهو يحمل قناعته كما يحمل المقاتل رايته ، تاركاً خلفه أثره في تاريخ المنطقة وتحدياتها المستمرة …
غير أن أخطر ما في المشهد هو احتمال “اللا نهاية”:
أن تستقر المنطقة في حالة اشتباك دائم منخفض الشدة ، لا حرب كبرى تحسم ، ولا سلام يطمئن …
جيلٌ ينشأ على صوت الطائرات المسيّرة كما نشأت أجيال سابقة على صوت المذياع .
دولٌ تعيد تصميم اقتصادها على قاعدة الطوارئ المستمرة ؛ ومجتمعاتٌ تتكيّف مع فكرة أن الاستقرار ليس حقاً مكتسباً ، بل استثناء عابر …
في هذا الزمن غير الخطي، لا يكون استشهاد السيد علي الخامنئي خاتمة فصل ، بل بداية كتابٍ جديد لا أحد يعرف عدد صفحاته…
قد تتغير الوجوه ، وقد تُعقد الصفقات ، وقد تُعاد صياغة التحالفات ، لكن السؤال الجوهري سيبقى معلقاً :
هل كان استهداف الرمز خطوةً نحو نظام أكثر استقراراً ، أم نحو عالم تُدار فيه السياسة بمنطق الضربات الاستباقية المفتوحة ؟
الجواب لن يُكتب في بيان رسمي ، بل في الطريقة التي سيتشكل بها وعي المنطقة بعد هذه اللحظة !!
فإذا تحوّل الاستشهاد إلى عقيدة صلبة ، دخلنا زمناً من الصدام الطويل .
وإذا تحوّل إلى درسٍ قاسٍ في حدود القوة ، فقد نكون أمام إعادة تعريف عميقة لقواعد اللعبة …
بين هذين الحدّين ، يقف الشرق الأوسط على حافة مستقبلٍ لا يشبه ماضيه ، معلّقاً بين نارٍ لا تخمد ، وأفقٍ لم يولد بعد …
