إيران تصمد… ولبنان في قلب المواجهة الإقليمية / بقلم: آية يوسف المسلماني
في الحروب المعاصرة، لم يعد الانتصار يُقاس فقط بحجم الضربات أو الخسائر العسكرية، بل بقدرة كل طرف على منع خصمه من تحقيق أهدافه الاستراتيجية. فالحسم الكامل أصبح نادراً، وتتحول المواجهات غالباً إلى ما يمكن تسميته “حرب النقاط”، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات صموده وتأجيل حسم خصمه حتى لو لم يحقق هو نصراً نهائياً.
من هذا المنطلق، تبدو المواجهة الأخيرة مع إيران مثالاً حياً على هذا النوع من الحروب.
فالضربات التي تعرضت لها طهران كانت قاسية واستهدفت بنى عسكرية حساسة، إلا أن قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمة الأولى ومواصلة إدارة المعركة تشير إلى أن ما تحقق حتى الآن أقرب إلى “نصر الصمود” منه إلى هزيمة حاسمة.
●امتصاص الصدمة الأولى
عادة ما تشكل الضربة الأولى لحظة حاسمة في أي حرب، إذ يمكن أن تؤدي إلى شلل في منظومة القيادة العسكرية والسياسية للطرف المستهدف. لكن التجربة الإيرانية أثبتت أن التحضير المسبق واستراتيجيات الاحتياط ساعدت على تفادي الانهيار، ما أتاح استمرار الرد العسكري رغم الخسائر الميدانية. هذه القدرة على الصمود تعتبر عنصراً حاسماً في أي مواجهة طويلة الأمد.
●القوة الجوية وحدودها
تركزت العمليات العسكرية على الضربات الجوية التي استهدفت الدفاعات الجوية ومنشآت القيادة والمخازن العسكرية، ثم توسعت لتطال منصات إطلاق الصواريخ. غير أن القوة الجوية وحدها نادراً ما تحسم الحروب. فهي تستطيع إلحاق الضرر وإضعاف البنية العسكرية للخصم، لكنها لا تستطيع السيطرة على الأرض أو تحييد كل القدرات المخفية ضمن شبكة معقدة من المواقع.
وهذا ما يفسر استمرار إطلاق الصواريخ بعد أيام من بدء الهجمات، ما يشير إلى وجود بنية عسكرية متعددة المستويات، تعتمد على مواقع بديلة ومنصات متنقلة، ما يحافظ على قدرة الرد حتى بعد الخسائر المباشرة.
●التحول إلى حرب استنزاف
مع مرور الوقت، تصبح الضربات الجوية أقل فاعلية، وتتحول المواجهة إلى حرب استنزاف. في هذه المرحلة، لا يكون التفوق العسكري وحده كافياً، بل يصبح عامل الصمود الاقتصادي والسياسي حاسماً. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت الضغوط على الطرفين للبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه ويحول دون سقوط منظومة القرار.
●الإشارات السياسية ومسار التفاوض
في الأيام الأخيرة، بدأت تظهر بوادر سياسية تشير إلى إمكانية العودة إلى التفاوض. فقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استعداد محتمل لإجراء محادثات مع إيران، في حين شدد المسؤولون الإيرانيون على ضرورة ضمان عدم تكرار الاعتداءات كشرط لأي هدنة أو وقف للحرب.
لكن الواقع الإقليمي يشير إلى أن الطريق إلى التفاوض غالباً ما يمر عبر تصعيد إضافي قبل الجلوس على الطاولة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي عبر الضغط العسكري والميداني.
●لبنان في قلب المعادلة
لبنان الذي طالما كان جزءاً من خطوط الصراع الإقليمي، يبقى الأكثر تأثراً بأي تصعيد. فالتوتر على الحدود الجنوبية، مع قوة المقاومة التي أعادت انتشارها بطريقة خلايا صغيرة مستقلة، يجعل أي مواجهة واسعة قابلة للانعكاس سريعاً على الأمن والسياسة الداخلية.
بالإضافة إلى ذلك، ضعف الدولة اللبنانية وانقساماتها السياسية تزيد من هشاشة المشهد، خصوصاً مع استمرار تهديدات إسرائيل ووجود قدرات عسكرية قادرة على استهداف المناطق الاستراتيجية في الجنوب.
حتى الآن تبدو الحرب في إيران وكأنها دخلت مرحلة الاستنزاف الطويل. القوة العسكرية الكبيرة لا تكفي لفرض الانتصار، والصمود وحده لا يعني تحقيق نصر كامل.
من هنا، قد تنتهي المواجهة كما حدث في حروب سابقة، إلى تسوية سياسية يحاول فيها كل طرف تقديم نفسه على أنه المنتصر، بينما يظل السؤال الحقيقي:
من نجح في منع خصمه من تحقيق أهدافه؟
وفي هذا السياق، يظل لبنان حاضراً في قلب المعادلة، بين صمود إيران وضغوط القوى الإقليمية، مع احتمالات عالية لتأثر واقعه الأمني والسياسي بأي قرار أو تصعيد في المنطقة.
