لطالما رُوِّج لوجود القواعد الأميركية في الخليج بوصفه مظلة حماية تضمن الأمن والاستقرار، وكأنها درع يحول دون الفوضى ويمنع الحروب من الوصول إلى تلك البلدان.
غير أن السنوات الأخيرة، ومع كل تصعيد عسكري في المنطقة، كشفت حقيقة مختلفة تماماً.
فبدل أن تكون تلك القواعد عامل استقرار، تحوّلت إلى مصدر تهديد مباشر، وجعلت من دول الخليج جزءاً من حسابات صراع لم تكن يوماً طرفاً فيه.
لقد سقط القناع الذي حاولت الولايات المتحدة ارتداءه لعقود تحت عنوان “الحماية”.
فكل قاعدة عسكرية أجنبية على أرض عربية لا تعني في النهاية سوى تحويل تلك الأرض إلى هدف محتمل. وحين تتصاعد المواجهات، لا تسأل الصواريخ عن الحدود السياسية ولا عن النوايا الحسنة، بل تبحث عن مواقع النفوذ العسكري حيثما وُجدت.
وهكذا بدل أن تبقى دول الخليج بعيدة عن أتون الصراعات، وجدت نفسها في قلب معادلة فرضتها سياسات لا تخدم مصالح شعوب المنطقة.
لكن ما يلفت الانتباه اليوم هو تنامي الوعي الخليجي تجاه هذه الحقيقة.
فالكثير من الأصوات في الخليج باتت تدرك أن المعركة الدائرة في المنطقة ليست معركة شعوبها، وأن إدخال بلدانهم في صراع أميركي_إسرائيلي مع قوى المنطقة لا يخدم استقرارهم ولا مستقبلهم.
هذا الوعي الذي يتجلّى في النقاشات العامة وفي مواقف متزايدة الحذر، يشير إلى إدراك متنام بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على قواعد عسكرية أجنبية، بل على التفاهمات الإقليمية والعلاقات المتوازنة.
والمفارقة أن الحرب التي خاضتها واشنطن إلى جانب إسرائيل في المنطقة لم تُضعف خصومها بقدر ما أضعفت صورتها ومصالحها.
فبدل أن تُثبت أنها الضامن الوحيد للأمن، بدا أن وجودها العسكري هو ما يستجلب المخاطر.
ومع كل جولة تصعيد، يتكرّس الانطباع بأن الدور الأميركي في الشرق الأوسط لم يعد قادراً على تحقيق ما وعد به لعقود.
من هنا قد تكون هذه الحرب نقطة تحوّل تاريخية. فحين تتراجع الثقة بدور الحامي، وتصبح القواعد العسكرية عبئاً لا ضمانة، يبدأ السؤال الكبير بالظهور: ما جدوى هذا الوجود العسكري أصلاً؟
وإذا كانت الحماية التي وُعِد بها الخليج لم تمنع التوترات، بل ساهمت في تعقيدها، فإن مستقبل هذا الدور يصبح موضع شكٍ حقيقي.
ربما لا يحدث الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط بين ليلة وضحاها، لكن المؤكد أن الأسس التي قام عليها نفوذ واشنطن في المنطقة بدأت تتصدّع.
فالدور الذي بُني على فكرة حماية الخليج يبدو اليوم أقل إقناعاً من أي وقت مضى، بعدما أثبتت الوقائع أن تلك الحماية لم تكن سوى عنوان لسياسات جلبت معها مزيداً من التوتر والدمار.
وهكذا ومع سقوط القناع، تتّضح حقيقة طال تجاهلها.
أمن المنطقة لا يُصنع في القواعد العسكرية، بل في إرادة شعوبها وقدرتها على بناء توازنٍ إقليمي مستقل عن صراعات القوى الكبرى.
وفي لحظة التحوّل هذه، قد يكتشف الشرق الأوسط أن مستقبله لا يحتاج إلى وصاية خارجية بقدر ما يحتاج إلى وعي إقليمي جديد يضع مصالح شعوبه أولاً.
