المضائق في قلب الصراع… حين يمتد النزاع إلى الاقتصاد العالمي/ بقلم: آية يوسف المسلماني
الحروب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل هي اختبار لإرادة الدول، ولمدى قدرتها على حماية مصالحها السياسية والاقتصادية في آنٍ معاً.
فنتائج النزاعات لا تُقاس فقط بما يحدث في الميدان، بل بما تتركه من أثر طويل على الاستقرار، وعلى توازنات القوة، وعلى ثقة الأسواق.
المشهد المتصاعد في المنطقة يعكس هذا التعقيد بوضوح.
فالتصريحات المتبادلة والتهديدات العسكرية لا تدور في فراغ، بل ترتبط بملفات أوسع تتداخل فيها السياسة بالأمن والطاقة والاقتصاد.
وعندما يدخل عامل الممرات البحرية في أي صراع، فإن دائرة التأثير تتسع لتتجاوز حدود الدولة أو الإقليم.
مضيق هرمز يمثل نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. فهو ليس مجرد ممر جغرافي ضيق، بل شريان حيوي يمر عبره جزء أساسي من تجارة الطاقة العالمية. لذلك فإن أي اضطراب فيه لا ينعكس على دولة بعينها، بل يطال الأسواق الدولية، ويؤثر في أسعار الطاقة، ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تتكرر الدعوات إلى إبقاء المضيق مفتوحاً وضمان حرية الملاحة فيه، مع تأكيد أن حماية هذا الممر مسؤولية جماعية، لا يمكن أن تتحملها جهة واحدة وحدها.
كما تتجه بعض التصريحات إلى التشديد على ضرورة مشاركة الحلفاء في جهود تأمين الطرق البحرية، سواء عبر تعزيز القدرات البحرية أو عبر دعم الجهود المشتركة لحماية التجارة العالمية.
غير أن قراءة المشهد لا تكتمل إذا حُصر في إطار الخليج وحده. فالصراع الأوسع في المنطقة يتجاوز جغرافيا المضائق، ويدور في عمقه حول توازنات النفوذ بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وقد دخل الخليج إلى قلب هذه المعادلة بسبب الوجود العسكري الأميركي في عدد من دوله، حيث تحولت بعض المواقع العسكرية والممرات البحرية إلى نقاط حساسة في حسابات الردع المتبادل.
وهنا يصبح واضحاً أن ما يجري ليس مجرد مواجهة محلية، بل جزء من شبكة أوسع من التوترات الإقليمية والدولية. فكل تصعيد في منطقة الطاقة ينعكس على الاقتصاد العالمي، وكل تهديد للممرات البحرية يضع الأسواق أمام اختبار جديد.
في المقابل تظهر التجارب الحديثة أن مثل هذه النزاعات نادراً ما تنتهي بحسم سريع. بل تتحول في كثير من الأحيان إلى مسارات استنزاف طويلة، تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية والضغوط الاقتصادية.
وفي هذا النوع من الصراعات، لا يكون الانتصار مرتبطاً فقط بالقوة العسكرية، بل بالقدرة على الصمود، وبإدارة التحالفات، وبالحفاظ على الاستقرار الداخلي.
أما دول الخليج، فإن التحدي أمامها يتجاوز البعد الأمني المباشر ليشمل حماية نموذجها الاقتصادي القائم على الاستقرار وجذب الاستثمارات والانفتاح التجاري. فأي اهتزاز كبير في البيئة الأمنية ينعكس سريعاً على الثقة الاقتصادية، ويؤثر في الأسواق والمشاريع طويلة الأمد.
في النهاية تبدو المنطقة أمام معادلة دقيقة.
إما احتواء التصعيد عبر حلول سياسية تمنع اتساع دائرة المواجهة، أو الانزلاق إلى مرحلة أطول من التوتر الذي يفرض تكاليف متزايدة على الجميع. فالمضائق قد تكون محدودة المساحة، لكنها في السياسة والاقتصاد قادرة على تغيير اتجاهات كاملة في العالم.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحويل لغة التهديد إلى مسار تفاوضي يعيد الاستقرار إلى المنطقة، قبل أن يتحول الصراع إلى حلقة استنزاف مفتوحة لا يستفيد منها أحد؟
