بين طموحات “ماكرون” والواقع: تفكيك “المسودة الفرنسية” ومآلات التمثيل الشيعي المبتور
كتب الدكتور علي القزويني الحسيني
يواجه لبنان اليوم واحدة من أخطر المحاولات الدبلوماسية الدولية الرامية إلى صياغة مستقبله السياسي والأمني عبر ما يُعرف بـ “الورقة الفرنسية”. هذه المبادرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن أزمة النفوذ التي تعيشها فرنسا في عهد إيمانويل ماكرون، ولا بمعزل عن الانقلاب الجذري على الإرث “الديغولي” الذي طالما ميز السياسة الخارجية الفرنسية تجاه المشرق العربي. هي محاولة لكتابة تسوية على مقاس إسرائيل، تحت غطاء “الاستثناء اللبناني”، مستغلة الضعف الداخلي والانقسام السياسي، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذ مُتداعٍ.
أولاً: “الماكرونية” والبحث عن “الفرصة الأخيرة” في الشرق الأوسط
تعيش الدبلوماسية الفرنسية اليوم حالة من التراجع والتآكل غير المسبوق؛ فبعد أن فقدت فرنسا بريقها كمركز قرار عالمي، سيّما في مستعمراتها السابقة في إفريقيا، يحاول إيمانويل ماكرون اليوم استعادة “هيبة مفقودة” عبر البوابة اللبنانية. إن ما نشهده هو محاولة لتحويل لبنان إلى “ساحة تعويض” عن الخسارات الفرنسية المدوية في القارة السمراء تحديداً، وكأن لبنان يمكن أن يكون بوابة العودة للأمجاد الضائعة.
ويزداد هذا الطموح الخارجي تناقضاً مع الواقع الداخلي لفرنسا نفسها، فماكرون يعاني من أزمة حكم محتدمة تجلت بوضوح في تقلباته الحكومية المتسارعة، حيث فُرض عليه تغيير عدة حكومات في زمن قياسي، مما يعكس حالة من الاهتزاز السياسي وغياب استقرار حكمه الداخلي. هذا المشهد يطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يُكتب لدولة تعجز عن إدارة شؤونها الداخلية أن تقدم رؤية خلاصية للبنان؟
لكن الفجوة هنا أعمق من مجرد تغير في السياسات. إنها قطيعة معرفية وأخلاقية مع المدرسة “الديغولية”. فثمة فجوة هائلة بين إرث الرئيس الراحل “جاك شيراك” وسياسة فرنسا الخارجية المتوازنة القائمة على الثوابت “الديغولية” وبين نهج ماكرون الحالي. فشيراك، الذي جمعته علاقة استراتيجية وشخصية تاريخية بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، كان يرى في لبنان ركيزة للسياسة “العربية” لفرنسا، قائمة على احترام السيادة ورفض التبعية. كان شيراك يتعامل مع لبنان ككيان صديق، له خصوصيته العربية والداخلية.
أما ماكرون، الذي صعد من أروقة “مصرف روتشيلد” المعروف بدعمه التاريخي والحيوي للكيان الإسرائيلي وعلاقاته الوثيقة بلوبيات الضغط المؤيدة له، فإنه يتعامل مع لبنان بعقلية “المصرفي” الذي يهندس الصفقات لتسوية الديون والمصالح السياسية للأقوى. هذه العقلية تختزل الدولة الوطنية في “فرص استثمارية” و”صفقات تسوية”، مما يحول دوره إلى مجرد “دور فولكلوري” يذكرنا بدور المندوب السامي الفرنسي في العشرينيات، لكن من دون هيبته العسكرية. سيفقد هذا الدور حتى بريقه الاستعراضي قريباً إذا استمر في تجاوز القوى الميدانية، بل قد يؤدي به الأمر إلى قطيعة تامة مع حزب الله الذي لن يسمح له مستقبلاً بلعب حتى دور الوسيط، لأن الوسيط الحقيقي لا يصطف مع طرف ضد آخر.
ثانياً: تفاصيل المسودة الفرنسية وفخ الاعتراف
استناداً إلى تسريبات الصحفي الرصين “باراك رافيد” عبر موقع إكسيوس (وهو المطلع بشكل استثنائي على كواليس الاستخبارات الدولية) تتضمن الورقة الفرنسية نقاطاً تشكل انقلاباً على المفاهيم السيادية اللبنانية، وتحول لبنان من دولة في حالة حرب مع عدو لم يعترف به دستورياً، إلى دولة ضامنة لأمن هذا العدو:
١. الاعتراف والاعتداء: يطلب المقترح من لبنان إبداء استعداده للاعتراف بدولة إسرائيل والتوقيع على اتفاقية “عدم اعتداء” دائمة، مما ينهي حالة الحرب رسمياً المستمرة منذ عام ١٩٤٨. هذا البند يتجاوز القرارات الدولية (كالقرار ١٧٠١) التي تتحدث عن ترتيبات أمنية متبادلة، ليصل إلى تطبيع كامل يمنح العدو شرعية وجود مقابل وعود ورقية.
٢. الترتيبات الميدانية: انسحاب إسرائيلي من المواقع التي احتلتها منذ نوفمبر ٢٠٢٤، مقابل نزع شامل للسلاح جنوب الليطاني، مع حديث عن “تحالف دولي” بإشراف مجلس الأمن لمراقبة تنفيذ نزع سلاح الحزب. المفارقة هنا أن الورقة تطلب انسحاباً إسرائيلياً من أرض لبنانية محتلة (وهو واجب عليها بموجب القانون الدولي)، وتضعه في كفة المقابل لنزع سلاح المقاومة (وهو حق وطني لمواجهة الاحتلال).
٣. المسار الزمني: دعوة لمفاوضات مباشرة في باريس تهدف لترسيم الحدود البرية (بما فيها الحدود مع سوريا) بحلول نهاية عام ٢٠٢٦. إشراك الحدود مع سوريا في هذه المفاوضات هو محاولة لربط الملف اللبناني بالتطبيع الإقليمي، وكأن ترسيم الحدود اللبنانية-السورية أصبح مدخلاً لحل الخلافات مع إسرائيل، مما يمس السيادة الوطنية المزدوجة.
ثالثاً: نموذج السلطة الفلسطينية.. هل نلدغ من الجحر مرتين؟
يبرز هنا التخوف المشروع من تكرار “النموذج الفلسطيني”؛ فاتفاقيات “أوسلو” لم تجلب إلا قضم الأراضي والمستوطنات وتعميق الانقسام. من يضمن أن إسرائيل، التي لم تلتزم بوقف إطلاق النار طوال ١٥ شهراً، ولم تنفذ القرار ١٧٠١ كاملاً منذ عام ٢٠٠٦، ستحترم ورقة فرنسية جديدة؟ إن التجربة تثبت أن إسرائيل لا تعترف بمواثيق بل بموازين قوى. أوسلو علّم الفلسطينيين وجيرانهم أن “الاعتراف” المتبادل كان مدخلاً لتهويد القدس وزيادة الاستيطان. فهل ننتظر أن تطلب إسرائيل غداً تسليم لبنانيين تعتبرهم “إرهابيين” أو تدخل البقاع والجنوب بحجة “الأمن المتبادل” أو “ملاحقة خلايا المقاومة”؟ إن تكرار سيناريو السلطة الفلسطينية في لبنان يعني تحويل مفهوم المقاومة من قوة ردع إلى قوة أمنية مسؤولة عن حماية العدو، وهذا ما سترفضه حتماً الدماء التي سالت في الميدان.
رابعاً: جدلية “الميدان-الميزان” ومحاولات الالتفاف الداخلي
إن التسرع في دفع لبنان نحو التوقيع والمعركة في ذروتها يكشف عن رغبة أطراف في السلطة اللبنانية في إجهاض معادلة “الميدان-الميزان”. يدرك هؤلاء أن الثبات في الجنوب والبقاع والضاحية سيعني حتماً “مكتسبات سياسية” وازنة لقوى “الممانعة”، كما يسمّونها، لاحقاً.
لطالما شكلت معادلة “الميدان-الميزان” جوهر السياسة اللبنانية منذ عام ٢٠٠٠، فكل انتصار في الميدان (تحرير ٢٠٠٠، صمود ٢٠٠٦) كان يترجم بتوازنات جديدة في الحكم (فيتو الثلث المعطل، صيغة ٨ و١٤ آذار). لذلك، فإن “الاتفاق المستعجل” اليوم هو محاولة لقطع الطريق على ترجمة صمود الميدان الحالي إلى مكاسب سياسية. المراهنة على نزع سلاح المقاومة عبر “التسوية” هي محاولة لضرب المعادلة في قلبها: إذا انتصر الميدان ولم يترجم ذلك سياسياً، تبقى المقاومة بلا غطاء سياسي. وإذا خسرت التسوية، يبقى الفريق الخصم ممسكاً بزمام السلطة التنفيذية. الهدف هو فصل المصير اللبناني عن أي معادلة إقليمية لضمان عدم تغيير موازين الحكم في لبنان لصالح “المحور” الذي صمد في الميدان.
خامساً: موقف الرئاسة الثانية وعقم التمثيل الشيعي
في هذا السياق، برز موقف الرئيس بري الذي رفض تسمية أي شخصية شيعية لتمثيل المكون بهدف “تشريع” اتفاقية “قبرص” المزعومة.
هذا الموقف ليس مجرد مناورة، بل هو تأكيد على قاعدة “لا سلام مع إسرائيل دون موافقة جميع المكونات”.
إن محاولة استحضار وجوه شيعية لتغطية التنازلات هي محاولة ولدت ميتة، فالهوية الطائفية لا تمنح شرعية لتمرير صفقات تفرط بالسيادة. التجربة منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم تؤكد أن التمثيل الحقيقي للشيعة في لبنان محصور في “الثنائي” (حزب الله وحركة أمل) المفوضة شعبياً وبرلمانياً، وهي التي تمثل البيئة الحاضنة للمقاومة. أي تمثيل آخر هو مجرد “زينة” سياسية، هي أشبه بمجالس إدارة الشركات الوهمية التي تبحث عن واجهات لتمرير صفقاتها. رفض الرئيس بري هو بمثابة “فيتو شعبي” ضد أي محاولة لاختطاف قرار الطائفة في هذه المرحلة المصيرية.
ختاماً: إلى “الشيعي” أو “الشيعية” في غرف التفاوض
إن أي تمثيل لا ينبثق من وجدان البيئة الحاضنة وتضحياتها هو تمثيل سيعتبره “الثنائي” باطلاً، ليس فقط سياسياً بل وأخلاقياً. من سيذهب ليوقع باسم اللبنانيين الشيعة لن يمثل حتى نفسه، وسيلعب دوراً فاشلاً في مسرحية خارجية.
“إن الدماء التي سالت، ولا تزال، في الجنوب والبقاع وفي بيروت وضاحيتها الجنوبية وفي كل لبنان هي التي يُراد لها أن ترسم ملامح المستقبل. التاريخ علّمنا ان بيع وهم “الاستقرار” لن يطلق عنان “السيادة،” كما أن “الاعتراف” بالعدو لن يقدم الأمن والأمان على أطباق من الفضة والذهب.
سيبقى التاريخ شاهداً على أن السيادة لا تصنعها طموحات “المصرفيين الفرنسيين” الوافدين، ولا يضمنها توقيع “مستأجرين”، بل تحميها إرادة اللبنانيين الوطنيين الحريصين على مصيرهم المشترك. فإن لم تكن المقاومة سلطة وطنية، كذلك المكون الشيعي الذي شارك بتأسيس الكيان اللبناني، لا يُختذل بتوقيعٍ باطلٍ في معادلة طائفية، بل هو رأس حربة في حرب سمّوها “وجودية”.
