بين التلميذ والأهل… حين تصبح الحرب شريكاً في التربية/د. رنا يحيى الصايغ
في زمنٍ لم يعد فيه الصباح عادياً، ولم تعد فيه الحقيبة المدرسية مجرد وسيلة لحمل الكتب، بل حملاً ثقيلاً من القلق والخوف… يعيش التلميذ اللبناني اليوم واقعاً تربوياً استثنائياً، تتداخل فيه أصوات القذائف مع أصوات المعلمين، وتختلط فيه الدروس بالحذر، والطموح بالقلق.
لم تعد المدرسة فقط مكاناً للتعلّم، بل أصبحت مساحة صمود. التلميذ الذي كان يحمل أحلامه البسيطة، بات يحمل معها أسئلة أكبر من عمره: هل سنذهب إلى المدرسة غداً؟ هل الطريق آمن؟ هل سيبقى أصدقائي بخير؟
هذه الأسئلة، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تعكس عمق الأثر النفسي الذي تتركه الحرب في نفوس أبنائنا.
أما الأهل، فهم في قلب هذا المشهد، يعيشون صراعاً يومياً بين حماية أطفالهم وضمان استمرار تعليمهم. فالأم التي كانت تقلق على واجبٍ منزلي، باتت تقلق على سلامة الطريق، وعلى استقرار نفسية طفلها. والأب الذي كان يخطط لمستقبل أولاده، أصبح يواجه تحديات تأمين الحد الأدنى من الاستقرار في ظل ظروف غير مستقرة.
في هذا الواقع، لم تعد العلاقة بين الأهل والتلميذ تقليدية، بل تحوّلت إلى شراكة نفسية وتربوية عميقة. فالتلميذ بحاجة إلى دعم عاطفي قبل أي شيء، بحاجة إلى من يسمعه، يحتوي خوفه، ويعيد إليه شعور الأمان ولو بشكل جزئي. وهنا يبرز دور الأهل كخط الدفاع الأول، ليس فقط في الحماية الجسدية، بل في الحماية النفسية.
لكن، ماذا عن التربية في زمن الحرب؟
هل نتوقف؟ أم نُكيّف؟
الحقيقة أن التربية لا تتوقف، بل تتكيّف.
فالمعلم اليوم لم يعد ناقلاً للمعلومة فقط، بل داعماً نفسياً، ومُلهماً، وصانع أمل. والدرس لم يعد مجرد محتوى أكاديمي، بل فرصة لإعادة بناء التوازن داخل الصف، وإعادة زرع الطمأنينة في قلوب الطلاب.
كنصيحة تربوية من واقع الخبرة:
تحدثوا مع أطفالكم بصراحة تناسب أعمارهم، دون تهويل أو إنكار.
حافظوا على روتين يومي بسيط، لأنه يمنح الطفل شعوراً بالأمان.
راقبوا التغيرات السلوكية (خوف، قلق، عزلة) وتعاملوا معها بحب ووعي.
لا تضغطوا على التحصيل الأكاديمي بقدر ما تدعمون الصحة النفسية.
اجعلوا البيت مساحة آمنة للحوار، لا مساحة خوف إضافي.
إن أخطر ما تتركه الحرب ليس الدمار الظاهر، بل الآثار الصامتة في داخل الأطفال. وهنا يأتي دورنا كأهل ومربين لنكون الجسر الذي يعبرون من خلاله نحو الأمان، مهما كان هشّاً.
ختاماً،
قد تفرض الحرب واقعاً قاسياً، لكنها لا تستطيع أن تسلبنا دورنا الإنساني والتربوي. فبين التلميذ والأهل، تبقى المحبة، الدعم، والوعي… هي السلاح الحقيقي الذي نحمي به أبناءنا، ونبني به مستقبلاً رغم كل الظروف.
