كتبت ملاك عطوي :
في ظلّ الوضع الأمني الراهن، يتراجع التعلّم في سلّم أولويات المواطن، ليصبح تأمين المسكن والمأكل والأمان الهمّ الأوّل في حياة النازحين. فحين تُهدَّد الحياة نفسها، تتقدّم الضرورات على ما سواها، ويتحوّل التعليم من حقٍّ أساسي إلى مطلبٍ مؤجّل تفرضه قسوة الواقع.
فبعد أن تحوّلت المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء، وأغلقت العديد من المدارس الخاصة أبوابها، توجّه الطلاب إلى التعلّم عن بُعد كخيارٍ وحيد؛ وهو الأمر الأكثر تعقيدًا بالنسبة للنازحين الذين يعيشون في ظروفٍ تفتقر إلى أدنى مقومات الدراسة.
ففي أماكن الإيواء، لم تعد القاعات صفوفًا تعليمية، بل مساحاتٍ مكتظّة بالعائلات، قُسّمت أحيانًا بستائر تفصل بين قسمٍ وآخر، في محاولةٍ خجولة لاستعادة شيءٍ من الخصوصية المفقودة. وهنا يصبح التركيز شبه مستحيل في ظل غياب البيئة الهادئة الضرورية، فيتحوّل التعليم عن بُعد إلى عبءٍ إضافي بدل أن يكون حلًا.
تكمن المشكلة الأساسية في عدم توفّر خدمة الإنترنت والأجهزة الذكية، أو في محدودية هذه الأجهزة داخل العائلة الواحدة، حيث قد لا يتوفّر سوى جهازٍ واحد أو اثنين، ما يضطرّ الأبناء لتقاسمه، ويؤدّي إلى حرمان بعضهم من متابعة دروسه بشكلٍ منتظم. وهكذا، لا يعود التعلّم عن بُعد متاحًا للجميع، بل يصبح رهينة الإمكانات المحدودة.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على الطلاب فحسب، بل تمتدّ إلى الأساتذة أيضًا، الذين يواجهون تحديات لا تقلّ صعوبة، بل قد تفوقها أحيانًا؛ فهم مضطرّون لتأمين وسائل التعليم من مواردهم الخاصة في ظلّ أعباء مادية متزايدة، إلى جانب الضغط النفسي الناتج عن محاولة الحفاظ على استمرارية العملية التعليمية في ظروفٍ غير مستقرة.
وبذلك، نجد أنفسنا أمام مستقبل جيل كامل مهدد، إذ رافقته أزمات متتالية بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بأزمة انهيار العملة الوطنية، وصولًا إلى العدوان والحرب، في ظلّ غياب أي خطة تعليمية متكافئة تكفل استمرارية التعلّم وتضمن العدالة بين الطلاب.
