الجنوب اللبناني بين هدنة هشة وأطماع إسرائيلية / بقلم: آية يوسف المسلماني
يعود الجنوب اللبناني إلى واجهة المشهد الإقليمي في لحظة شديدة الحساسية، لكن هذه المرة تحت عنوان مختلف: هدنة مؤقتة تترافق مع حديث غير مسبوق عن مفاوضات مباشرة واحتمال لقاء سياسي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
وبين لغة التصعيد التي طبعت الأشهر الماضية، وخطاب الفرص التاريخية الذي يروَّج له اليوم، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة تختلط فيها احتمالات التهدئة بمخاطر الانفجار من جديد.
التصريحات الأخيرة الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب لا توحي بأن ما يجري مجرد وقف لإطلاق النار، بل تشير إلى محاولة أوسع لإعادة صياغة المشهد الحدودي والسياسي معاً.
الحديث عن سلام محتمل، ولقاءات مرتقبة، وتحول في العلاقات بين الجانبين، يترافق في الوقت نفسه مع شروط إسرائيلية صارمة تقوم على نزع سلاح حزب الله، والإبقاء على ترتيبات أمنية داخل الجنوب اللبناني، بما في ذلك حزام أمني بعمق ميداني واضح.
هذا التناقض يكشف جوهر المقاربة الإسرائيلية الحالية: استخدام لغة السلام من موقع القوة، وتحويل الهدنة إلى أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض.
فإسرائيل لا تنظر إلى الجبهة الجنوبية بوصفها مجرد مصدر تهديد عسكري، بل تعتبرها عقدة مزمنة تسعى إلى حلها هذه المرة عبر تغيير البيئة الجغرافية والسياسية التي تنتج هذا التهديد، لا الاكتفاء بردعه.
لكن التاريخ يحمل دروساً يصعب تجاهلها.
فقد أثبتت التجارب السابقة أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة تحقيق أمن دائم. جنوب لبنان كان ساحة اختبار طويلة لهذا النموذج، وانتهى الأمر بانسحاب لم يُنهِ المشكلة بل غيّر شكلها فقط.
لذلك فإن العودة إلى فكرة المنطقة العازلة أو الحزام الأمني قد توفر هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تصنع استقراراً طويل الأمد.
إضافة إلى ذلك، فإن أي وجود عسكري مباشر أو طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية يضع إسرائيل أمام استنزاف متعدد الأوجه. فالمواجهة في بيئة حدودية معقدة تختلف عن الضربات الجوية السريعة، كما أن البقاء داخل أرض معادية يخلق تحديات بشرية وعسكرية وسياسية، ويمنح خصومها فرصة استثمار المشهد تعبوياً وإعلامياً.
أما لبنان فيجد نفسه مرة أخرى ساحة لصراع يتجاوز قدرته الداخلية. فالدولة اللبنانية التي تعاني أصلاً من أزمات سياسية واقتصادية خانقة، تبدو عاجزة عن إدارة هذا التحول منفردة. فهي من جهة لا تملك ترف حرب جديدة، ومن جهة أخرى لا تستطيع القبول بسهولة بترتيبات تمس السيادة أو تعيد رسم الواقع الأمني في الجنوب بقوة الأمر الواقع.
وفي الحالتين يبقى المواطن اللبناني الخاسر الأول من أي مواجهة أو تسوية ناقصة.
في المقابل تحاول واشنطن تقديم المشهد كفرصة تاريخية للسلام، عبر الحديث عن لقاءات مرتقبة وربما اجتماعات غير مسبوقة منذ عقود. غير أن التجارب السابقة في المنطقة تؤكد أن الصور السياسية والاحتفالات الدبلوماسية لا تكفي وحدها لصناعة السلام، ما لم تستند إلى تفاهمات فعلية تعالج جذور النزاع لا مظاهره فقط.
من هنا تبدو الهدنة الحالية هشة أكثر مما تبدو ثابتة. فهي لا تقوم حتى الآن على اتفاق نهائي واضح، بل على توازن مؤقت للمصالح ورغبة مرحلية في خفض التصعيد. وأي تعثر في المفاوضات، أو خلاف حول السلاح أو الحدود أو الوجود العسكري، قد يعيد الأمور سريعاً إلى المربع الأول.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الدخول إلى الجنوب أو فرض شروطها فيه، بل ما إذا كانت قادرة على الخروج منه وقد حققت ما تريد. فهذا السؤال رافق كل الحروب السابقة، وغالباً ما بقي بلا جواب واضح.
فالحروب تبدأ بقرارات سريعة، لكنها تنتهي بحسابات أكثر تعقيداً مما يتوقعه أصحابها.
خلاصةالقول، يقف الجنوب اللبناني مجدداً بين احتمالين متناقضين: فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس، أو استراحة قصيرة تسبق جولة أشد خطورة. وبين الذريعة الأمنية والأطماع السياسية، وبين التفاؤل المعلن والوقائع الصلبة على الأرض، يبقى الحذر أكثر واقعية من الاحتفال المبكر.
