كتبت ليلى قيس
بعد انقسام المشهد اللبناني بين روايتين ، الاولى تعتبر ان ما تحقق جاء نتيجة ضغط إيراني، ربط لبنان بمسار تفاوضه، وفرض ضمان استقراره في أي اتفاق . والثانية ترى أن الدولة اللبنانية هي من انجزت بعد الذهاب إلى التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي… – بعيدا عن كلفة الدم والدمار -.
في حين ان التهدئة ليست كما تبدو ، حيث ان كل وقف لإطلاق النار يحمل معه ما هو أخطر من الحرب نفسها: شروط غير متكافئة، وواقع يُفرض تحت وهم الاستقرار الكاذب !
نصّ ملغوم : وقف نار تحت النار !
مع التعمّق في تفاصيل الاتفاق، يتبيّن أن ما طُرح كـ”وقف لإطلاق النار” لا يشكّل إطارًا متوازنًا، بل صيغة ملغومة تعطي حق دائم للعدوان ، فمنح إسرائيل حق تنفيذ أي عمل عسكري تحت ذريعة “وجود تهديد”، لا يُعد تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر المشكلة. وبهذا ، لا يمكن اعتبار ان ما جرى هو اتفاق بل يتحوّل إلى أداة بيد طرف واحد يملك حق التقييم والتنفيذ في آنٍ واحد.
وهنا، تتحول الهدنة من اتفاق لوقف النار، إلى “تنظيم” استخدام النار.
و هذا ما ترجم على الارض ، إذ ترافقت هذه الصيغة مع إجراءات ميدانية تُكرّس واقعاً جديداً :
منع عودة الأهالي إلى القرى الحدودية، فرض مناطق عازلة و حرية عمل عسكري ووجود إسرائيلي قائم داخل الأراضي اللبنانية و تنفيذ عمليات نسف و تدمير و تغيير معالم جغرافية لقرى كاملة !
و بهذا ، لا تصبح الهدنة وسيلة لحماية المدنيين، بل تتحوّل إلى مظلة تُشرعن استمرار استهدافهم.
بين فخ التمديد و حق التعديل : ماذا يحتاج لبنان ؟
الاخطر اليوم ليس الاتفاق بحد ذاته، بل المسار الذي يقوم عليه ، فالمفاوضات الجارية لا تهدف إلى تعديل هذا الواقع،
بل إلى تمديد وقف إطلاق النار بالشروط نفسها ، ما يعني منح المعتدي وقتاً اضافياً لترسيخ اهدافه . فينا يُقدّم هذا التمديد داخلياً على انه انجاز يقود نحو الاستقرار يبقى السؤال : أي استقرار يمكن أن يقوم على معادلة مختلة ؟ و اي سيادة بلاد تلك التي يُنتَهك جنوبها ؟
فلبنان اليوم كدولة ذات سيادة، يملك الحق القانوني والسياسي في إعادة النظر ببنود هذا الاتفاق، والمطالبة بتعديله بما يضمن توازنًا فعلياً ، لا شكلياً.
وهذا يشمل: إلغاء البنود التي تمنح إسرائيل حق المبادرة العسكرية، فرض ضمانات واضحة لوقف الاعتداءات، وإلزام الطرف الآخر باحترام الهدنة . فالتمديد دون تعديل، لا يُعد إنجازًا، بل قبولًا ضمنيًا باستمرار الاعتداء… بصيغة منظّمة.
و لكن هل سينجح لبنان في فرض شروطه في حين ان الدولة عاجزة حتى عن تأمين حماية لانقاذ اعلامييها من الاستهداف ؟
رفضٌ يصنع المكاسب… وقبولٌ يكرّس الخسارة !
تقدم التجربة الايرانية نموذجاً مختلفاً في التعاطي مع التفاوض ، فبعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات، وغياب الالتزام ببنود وقف إطلاق النار، رفضت إيران العودة إلى طاولة التفاوض بالشروط نفسها، وسعت إلى تحسين موقعها التفاوضي بدل القبول بواقع مفروض ، حيث اثبتت لنا ان المشكلة ليست في النصوص ، بل في طريقة التعامل معها
هذا النموذج يطرح تساؤلاً بديهياً : لماذا لا يتعلم لبنان من تجارب الاخرين ؟ و لماذا لا نقول لا لكل ما يهدد استقرارنا؟
لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الاستمرار في تسويق “تهدئة” تُشرعن الاعتداء، أو الذهاب نحو إعادة صياغة هذا المسار، على قاعدة واضحة: لا تهدئة بلا سيادة، ولا اتفاق بلا توازن.
فالهدنة التي لا تحمي الأرض… ليست هدنة، والاتفاق الذي لا يُلزم العدو… ليس اتفاقًا. وفي بلدٍ يُمنع فيه الأهالي من العودة، وتُستهدف فيه الصحافة…
ويبقى السؤال الأهم: هل يملك لبنان القرار لكسر هذا المسار ، ام سيبقى لبنان يوقّع على خساراته ؟
