كتبت حوراء غندور
في عالمٍ تُقاس فيه قوة الدول بمدى انفتاحها على التكنولوجيا والأسواق، تقف إيران كنموذجٍ مختلف تماماً. فمنذ ما يقارب خمسة عقود، تعيش تحت وطأة حصارٍ معقّد ومتعدد الأبعاد، ومع ذلك لم تتراجع إلى الهامش كما كان متوقعاً، بل اختارت طريقاً أكثر صعوبة: أن تصنع قوتها بيدها. هنا، لا يصبح الحصار نهايةً، بل بدايةً لتحوّل عميق في مفهوم الاعتماد على الذات.
لقد أدركت إيران أن الانتظار في ظل الإغلاق الدولي ليس خياراً، فكان الاتجاه نحو بناء قدرات داخلية، خاصة في المجال الدفاعي. وفي مقدمة ذلك، برزت منظومتها الصاروخية التي تحوّلت إلى ركيزة أساسية في معادلة الردع. لم يكن هذا التوجه ترفاً عسكرياً، بل ضرورة فرضتها التهديدات والقيود المفروضة عليها. وهكذا، أثبتت إيران أن الدول لا تحتاج دائماً إلى أبواب مفتوحة لتتقدم، بل إلى إرادة صلبة تعرف كيف تستثمر في ما هو متاح، وتصنع ما هو ممنوع.
لكن ما يجعل هذه التجربة أكثر عمقاً ليس فقط ما تحقق على مستوى التكنولوجيا أو الدفاع، بل ما ترسّخ داخل المجتمع نفسه. فإيران ليست دولة طارئة على التاريخ، بل كيان حضاري تمتد جذوره إلى أكثر من ألفين وخمسمائة عام. هذا الامتداد التاريخي لا يظهر فقط في الكتب، بل في وعي الناس، في إحساسهم بأنهم جزء من مسار طويل لا ينقطع. وعندما يتهدد هذا المسار، يصبح الدفاع عنه أمراً يتجاوز السياسة، ليصل إلى مستوى الهوية والانتماء.
وبالطبع، لا تخلو إيران—كما هو حال أي دولة—من أصوات ناقدة لسياساتها الداخلية، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. غير أن لحظات التصعيد والحرب غالباً ما تعيد ترتيب الأولويات داخل المجتمعات، فتتراجع الخلافات أمام ما يُنظر إليه كتهديد خارجي. وفي الحالة الإيرانية، بدا أن هذه الظروف أسهمت في زيادة التماسك والتفاف شرائح واسعة من الناس حول الدولة. ومن زاوية رأيي الشخصي، قد يكون هذا الأثر تحديداً لم يكن في حسبان دونالد ترامب أو بنيامين نتانياهو عند حسابات التصعيد، إذ إن الضغوط الخارجية يمكن أن تنتج أحياناً نتائج عكسية، فتُعزّز وحدة الداخل بدل إضعافه.
إن ما نراه هنا ليس مجرد حالة سياسية عابرة، بل نموذج يُظهر كيف يمكن للهوية الوطنية أن تتحوّل إلى قوة حقيقية في مواجهة التحديات. فحين يكون الوطن قيمة عليا، تسقط الكثير من الخلافات عند أقدامه، ويصبح التماسك خياراً جماعياً لا يُفرض من الخارج.
ومن هذا المنطلق، يبدو من غير الواقعي تصور أن دولة حديثة، لا يتجاوز عمرها بضعة عقود، يمكنها أن تمحو حضارة تمتد لآلاف السنين. فالحضارات لا تُمحى بقرارات سياسية، ولا تُلغى بموازين القوة المؤقتة. إنها تعيش في الذاكرة، في الثقافة، وفي وعي الشعوب. قد تُحاصر، قد تُضغط، لكنها لا تختفي.
إن تجربة إيران، كما أراها، ليست مجرد قصة صمود، بل إعلان واضح بأن الشعوب التي تعرف جذورها، وتؤمن بوطنها، قادرة على تحويل أصعب الظروف إلى فرص. فالقوة الحقيقية لا تُمنح، بل تُبنى… وإيران اختارت أن تبنيها، رغم كل شيء.
