كتب الدكتور نسيب حطيط :
خلافاً لكل قواعد التفاوض وتوقيع الاتفاقيات بين طرفين “عدوّين”، رسمت الحكومة اللبنانية نهجاً جديداً في عمليات التفاوض والتنازلات لم يسبقها أحدٌ فيه؛ حيث نفذت كل ما سيطلبه العدو الإسرائيلي “رسمياً” في اتفاقية التطبيع والسلام قبل توقيعها ، كبادرة حسن عمالة وتعاون، وتنازلت “حكومة التعاون مع العدو” عن كل أوراق القوة وحقوقها، وأضافت إليها رأس المقاومة وطائفتها وبشكل مجاني مقابل ثمنٍ بخسٍ، وهو بقاؤها في السلطة (ربما لا تُكمل مدتها)، وذلك خيانة للوطن والشعب ومخالفة الدستور والقوانين اللبنانية التي تجرّم التعامل أو اللقاء مع العدو الإسرائيلي، فكيف بالتنازل عن الحقوق وتشريع الاحتلال و العمل المشترك ضد المقاومة وفق ما قالته الخارجية الأمريكية ورئيس وزراء العدو “نتنياهو” ولم تنفهِ ولم تستنكره الحكومة اللبنانية المتعاونة مع العدو!
نفّذت حكومة “الثنائي الأمريكي الحاكم” كل الأوامر الأمريكية والمطالب الإسرائيلية ضد شعبها، وأعطت العدو كل مطالبه الأمنية والسياسية والإعلامية والقانونية تحت القصف والقتل للشيعة المقاومين في لبنان، لبناء “لبنان الإسرائيلي “الذي لم تتمكن القوات اللبنانية “و”آل الجميّل” من بنائه، ليكون الشيعة فيه خارج القرار ومنزوعي السلاح، والعمل على اقتلاعهم وتهجيرهم خارج لبنان ضمن سلسلة التغييرات الديموغرافية في المنطقة، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين مكانهم، لإراحة العدو وشطب حق العودة الذي أقرته المبادرة العربية للسلام في بيروت عام 2002، والتي وافقت على مبادلة الأرض مقابل السلام، بينما تسعى حكومة الثنائي الأمريكي ،لتهجير الشيعة مقابل السلام مع إسرائيل، وهذا ما حاول السفير الأمريكي الإيحاء به بتصريحه من منبر “بكركي” (اللي مش عاجبو.. يهاجر) ويقصد الشيعة، كمحاولة لتحميل المسيحيين “رسميين وكنسيين” مسؤولية ما سيتعرض له الشيعة لإشعال الفتنة بينهما، والتخلص من الشيعة بالقتل والتهجير ومن المسيحيين “بالترانسفير” إلى الخارج كما بقية المسيحيين العرب!
بدأت الحكومة اللبنانية المتعاونة مع العدو بتنفيذ قرارات التطبيع قبل التوقيع وفق التالي:
– التطبيع الأمني: أصدرت قرار نزع سلاح المقاومة وأقامت الحواجز لاعتقال المقاومين ومحاكمتهم بالتلازم مع الاجتياح والقصف الإسرائيلي لبيوتهم وقتل أهلهم ، وكانت الذراع السياسي والقانوني المتعاون مع الذراع العسكري الإسرائيلي.
– سحبت الجيش اللبناني من مواقعه التي سلّمته إياها المقاومة بعد عام 2024 وفق قرار الحكومة اللبنانية باستلام منطقة جنوبي الليطاني، لكن وبناءً لأوامر إسرائيلية-أمريكية، أعطت هذه الحكومة قراراً بانسحاب الجيش أمام التوغّل الإسرائيلي والنزوح مع المدنيين اللبنانيين وعدم إطلاق أي نار ضد جنود العدو، لإثبات عدم العداء بينها وبين العدو الإسرائيلي، ثم أمرت الجيش بالعودة مع النازحين للتضييق على المقاومين واستلام الأرض بقوة النار الإسرائيلية، وذلك كعقاب معنوي ونفسي للجيش الذي امتنع عن التصادم مع المقاومة، فأرادت الحكومة إذلاله وإظهاره بأنه جبانٌ غير قادرٍ على حماية شعبه، لتبرّر استعانتها بجيش العدو الإسرائيلي لتأديب المقاومة وطائفتها!
– التطبيع الإعلامي واللغوي: عمّمت على إعلامها الرسمي بمنع لفظ “المقاومة” واستبداله بعناصر “حزب الله” لنزع الشرعية الرسمية عن مقاومته وسلاحه، وإظهار صفته المذهبية لمنع التأييد الإسلامي له وحصر المعركة معه وتحييد لبنان كدولة عن الصراع.
– التعميم على المسؤولين اللبنانيين بعدم ذكر العدو الإسرائيلي “كقاتلٍ” لجنود الجيش اللبناني والدفاع المدني والصحفيين والمسعفين وتجهيل الفاعل؛ لعدم تحميله المسؤولية بصفته شريكاً للحكومة، وإلزام الإعلام الرسمي بالامتناع عن قول “جيش العدو الإسرائيلي” بل وصفه بالجيش الإسرائيلي قبل التوقيع، وبالجيش الإسرائيلي “الشقيق” بعد توقيع اتفاقية السلام!
– التطبيع الإقتصادي : التعاون مع العدو بمنع إعادة الإعمار من خلال رفض المساعدات الإيرانية ومنع وصول أي أموال حتى من اللبنانيين، فصار الشيعة محاصرين بين التدمير الإسرائيلي والحصار المالي للحكومة اللبنانية.
لم يبقَ بيد هذه الحكومة ،ما تعطيه للعدو بعد توقيع الاتفاقية سوى صورة أخيرة، بين ثاني “رئيس مسيحي لبناني” بعد “بشير الجميّل” والمسؤولين الإسرائيليين، والتي ستكون كإفادة استغناء عن خدماته، وتركه بمواجهة شعبه ومقاومته بعد العودة دون اكتراثٍ لمصيره بعدما أخذت منه كل شيء ولا تحتاج لبقائه في السلطة، أو ربما تستعمله للمرة الأخيرة ليكون صاعق تفجير للفتنة والحرب الأهلية في لبنان، وهذا ما تحترفه أمريكا وإسرائيل في الاغتيالات والأعمال الإرهابية.
هل يُنقذ الرئيس نفسه ووطنه، ولا ينتحر سياسياً مهما كانت الضغوط والتهديدات، ويعود إلى حضنه الوطني، ويستثمر إنجازات المقاومة، حتى لا تستفرد به إسرائيل؟
لا يزال الوقت متاحاً ،للاعتراف بالخطيئة والتراجع عنها…ولا نتمنى لك ان تكون “سعد حدادٍ او أنطوان لحدٍ جديد”!
