ما لا ترويه الكاميرا: مراسلة تحلم فقط بأن تعود لأطفالها بـ “جسد كامل”
كتبت سابين الخوري في الجمهورية :
خلف سترة الصحافة الواقية من الرصاص، ينبض قلبٌ يرتجف خوفاً على الصغار، وأمام العدسات التي ترصد الركام، تقف امرأةٌ اختارت أن تكون صوتاً لمَن لا صوت لهم وسط ضجيج الموت. جويس الحاج، مراسلة “التلفزيون العربي” في بيروت، لم تكن يوماً مجرّد عابرة في أزقة الحرب، بل كانت الشاهدة التي تعمَّدت بغبار القصف، والراوية التي صاغت بدموعها الصامتة حكايا الأمّهات اللواتي سُلبنَ كل شيء.
في ميدانٍ لا يحترم “الحصانة”، مشت جويس على حدّ السيف بين الواجب المهني وغريزة البقاء، حاملةً وجع بيروت والجنوب والبقاع في حقيبة ذكرياتها، لتقول للعالم إنّ خلف كل خبر عاجل روحاً تقاوم الفناء، وأمّاً تحلم فقط بأن تعود لأطفالها بـ “جسد كامل”. هنا، في هذا الحوار، تخلع جويس قناع الثبات المهني للحظات، لتكشف لنا عن الجروح التي لا تراها الكاميرا.
إيقاع الحياة تحت وطأة الحرب
– كيف تغيّرت حياتك اليومية منذ بدأتِ تغطية الحرب ميدانياً؟
“لم تعُد حياتي تُقاس بالوقت، بل بإيقاع الأحداث. اختفى الروتين تماماً، وحلّ مكانه ترقّب دائم لأي تطوُّر ميداني. حتى التفاصيل الصغيرة، كالنوم أو تناول الطعام، تمضية الوقت مع العائلة، أصبحت خاضعة لظروف التغطية، وباتت أهدافاً بدل أن تكون من يومياتي وبديهيات الحياة. صرتُ أعيش على هامش الخطر، لكن في صلب الحقيقة، حيث كل يوم يحمل احتمالاً مفتوحاً لكل شيء”.
ملامح الفقد في ذاكرة الميدان
– ما هي اللحظة الأصعب التي عشتِها خلال التغطية، ولماذا بقيت راسخة في ذاكرتك؟
“أصعب اللحظات كانت عندما وقفت أمام أم تبحث بين الركام عن أي أثر لابنها، امرأة تبحث عن ألبوم صور يمكن أن يشكّل كل ما تبقّى من حياة كاملة. لم يكن المشهد مجرّد دمار، بل كان انهيار عالم كامل بالنسبة لكثيرين. بقيت لحظة تشييع جنين في بلدة البزالية راسخة في ذهني، وكلام جدها في أذني حتى اليوم، لأنّها كسرت المسافة بيني كمراسلة وبين الألم الإنساني، وجعلتني أدرك أنّ ما ننقله ليس خبراً، بل حياة تُسحق”.
مواجهة الموت وغريزة العودة للأبناء
– هل شعرتِ يوماً بأنكِ كنتِ على بُعد ثوانٍ من الموت؟
“نعم، في أكثر من مرّة. في لحظات القصف، عندما استُهدِف موكب صحافي في يارون عام 2023 في أولى حرب الأسناد، كنتُ على بُعد أمتار قليلة من الموت. لا يكون لديك وقت للتفكير، فقط غريزة البقاء. كنتُ فقط أقول لنفسي يجب أن أعود إلى أولادي بجسد كامل. سمعتُ صوت الصاروخ يتجه نحوي، شعرتُ بأنّ المسافة بيني وبين الموت يمكن أن تختصر بثانية واحدة. من اللحظات المرعبة كذلك عندما وصلنا إلى جسر الدلافة في البقاع الغربي ولم تفارق الأجواء فوقنا المقاتلات الحربية. شعرتُ أني سأصبح الهدف في أي لحظة. هذه التجربة غيّرت علاقتي باللحظات وليس بالحياة، جعلتني أكثر وعياً لكل لحظة أعيشها فصارت اللحظات عبارة عن حياة كاملة”.
أمانة الكلمة في قلب الدمار
– بعد كل هذه التجارب، ما الذي يبقيكِ مستمرة في هذه المهنة على رغم من المخاطر؟
“ما يبقيني هو الشعور بالمسؤولية. لدينا مسؤولية نقل السردية كما هي، كتابة التاريخ من زاوية من رأى وعاش ووثق. الإحساس بأنّ هناك قصصاً يجب أن تُروى، وأصواتاً يجب أن تُسمع. في قلب الدمار، يصبح نقل الحقيقة نوعاً من الواجب، وربما الشكل الوحيد للعدالة الممكنة. الاستمرار ليس شجاعة بقدر ما هو التزام أمام الوطن وأمام الناس وأمام أنفسنا”.
دموع الصمت خلف الكاميرا
– هل تبكين أحياناً بعد انتهاء التغطية؟
“أبكي… لكن ليس دائماً بالدموع. أحياناً أبكي بالصمت، أو بثقل يبقى في صدري بعد أن ينتهي البث. على الهواء أكون قوية، أختار كلماتي بدقة، وأحاول أن أنقل الصورة كما هي. لكن عندما تُطفأ الكاميرا، تعود كل المشاهد دفعة واحدة. الحقيقة؟ الكاميرا لا تنقل كل شيء… نحن نترك جزءاً منّا خلفها في كل مرّة”.
