مساء الأحد 24 أيار/مايو 2026 (اليوم 86 للحرب)
مقدمة استراتيجية:
لم يصمد “سراب الدبلوماسية” أكثر من 24 ساعة. ما كُنت أحذر منه بالأمس من كون التفاهمات الباكستانية ليست سوى “إدارة أزمة” وشراء للوقت وعنونت مقالي بالأمس بخديعة التأجيل، تجلى اليوم بانهيار سريع لمسودة التفاهم. التراجع الأمريكي عن نقطتين جوهريتين (حرية عمل إسرائيل في لبنان، وآلية الإفراج عن الأصول) كشف النوايا الحقيقية لواشنطن: ترامب يُريد فتح مضيق هرمز لإنقاذ الاقتصاد، مع الإبقاء على سيف الحرب مشرعاً. في المقابل، انتقلت إيران إلى “الرفض الصارم” لأي تجزئة للاتفاق، وتكفل الميدان اللبناني بتحويل هذا الانهيار الدبلوماسي إلى “يوم شديد الصعوبة” لجيش الاحتلال، مسجلاً أعلى معدل استنزاف منذ بدء المواجهة.
إليك التفكيك المرجعي لانهيار المسار السياسي، واقتراب حافة الهاوية العسكرية:
أولاً: الانهيار الدبلوماسي.. العودة إلى “الحرب المُعلقة”
التسريبات الواردة من طهران وواشنطن تؤكد أن مذكرة الـ 14 بنداً تحتضر:
1. الخديعة الأمريكية المكشوفة: التراجع الأمريكي بشأن “نطاق وقف إطلاق النار في لبنان” والإصرار على منح إسرائيل “حرية الرد على أي تهديد”، هو فخ قاتل. طهران ومحورها رفضا هذا الشرط القاطع، لأنه يعني ببساطة شرعنة الاحتلال والاغتيالات تحت غطاء دولي. كما أن المماطلة في الإفراج الفوري عن الأصول الإيرانية، جعلت طهران تدرك (كما أشار التقييم الداخلي الإيراني) أن ترامب يسعى لـ “خديعة تكتيكية” لفتح هرمز وتمرير مرحلة الانتخابات وكأس العالم 2026، ثم معاودة قصف إيران عندما تكون في حالة استرخاء.
2. اللاءات الإيرانية القاطعة: رفض إيران القاطع للاقتراح الباكستاني بالمضي قدماً وتأجيل النقاط الخلافية، وتأكيدها أنه “لا توقيع ما لم يتم الاتفاق على كل البنود مع ضمانات”، يُسقط استراتيجية التقطيع الأمريكية. إيران أدركت أن ترامب في مأزق (90% من الأمريكيين يخشون ارتفاع الأسعار والتضخم)، ولن تمنحه مخرجاً مجانياً دون أثمان استراتيجية (خروج القوات، وقف حرب لبنان، واستعادة الأصول).
ثانياً: الجبهة اللبنانية.. “يوم الحساب” للمدرعات الإسرائيلية
في الوقت الذي تناور فيه واشنطن، تولت المقاومة في لبنان مهمة نسف الخيارات الإسرائيلية:
1. “أصعب يوم في لبنان”: اعتراف وسائل الإعلام العبرية بأنه اليوم الأصعب منذ بدء المواجهة ليس مبالغة. إطلاق أكثر من 20 محلقة مفخخة، وتدمير دبابتين ميركافا في حداثا (واشتباك مستمر لمنع عمليات الإنقاذ)، واستهداف جرافات (D9) في الخيام، وضرب منصات القبة الحديدية وأجهزة التشويش (درون دوم) في رشاف، يُثبت أن حزب الله يمسك بـ “مقاليد التكتيك” بالكامل، مُجرداً جيش الاحتلال من قدراته التكنولوجية والمدرعة.
2. مقتل الطيارين وتحطيم الروح المعنوية: مقتل طيار مقاتل (قائد سرب سابق) إثر تحطم طائرة خفيفة في الجليل، إلى جانب مقتل ضباط وجنود في الجنوب اللبناني، زاد من حالة الانهيار الداخلي. تصريحات ضباط الاحتلال (يسرائيل هيوم) بأنهم يفتقرون للهدف وأن مسيرات حزب الله لا يمكن كشفها، هي إعلان عجز رسمي عن الاستمرار في حرب برية.
3. تثبيت معادلة الشيخ نعيم قاسم: خطاب الأمين العام، الشيخ نعيم قاسم، كان بمثابة “رصاصة الرحمة” على ورقة التنازلات السياسية اللبنانية. رفضه المطلق لتجريم المقاومة وحصر السلاح، وتأكيده على أن مشروع إسرائيل هو إبادة واحتلال تدريجي، يوجه رسالة حاسمة للمفاوضين: الميدان هو من يكتب الشروط، ولا سيادة إلا عبر البندقية.
ثالثاً: الانكشاف الاستراتيجي الغربي.. “الخوف من النصر الإيراني”
القراءة الإسرائيلية والغربية للمشهد تعكس ذعراً من صمود المحور:
1. خسارة اليهود الأمريكيين والدعم الدولي: قلق الاستخبارات الإسرائيلية (معهد INSS) من تراجع الدعم اليهودي الأمريكي، وإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف لوزراء (سموتريتش، كاتس، بن غفير)، يُحول إسرائيل إلى كيان منبوذ عالمياً، ما يُصعب على ترامب دعمها سياسياً إلى ما لا نهاية.
2. استنزاف الترسانة الأمريكية: اعتراف صحيفة “تلغراف” وغيرها باستهلاك أمريكا لأكثر من نصف مخزونها من صواريخ (THAAD و SM-3/SM-6) للدفاع عن إسرائيل، يعني أن درع البنتاغون الصاروخي بات هشاً عالمياً، وهو ما يفسر التردد الأمريكي في شن حرب شاملة تتطلب آلاف الصواريخ الاعتراضية الإضافية.
3. التلويح بأحمدي نجاد.. وهم التغيير: استمرار التسريبات الغربية (نيويورك تايمز) حول دعم أحمدي نجاد كبديل، يعكس إفلاساً استخباراتياً تاماً. هذا يُثبت أن أمريكا تفتقر لأدوات ضغط حقيقية داخل إيران، وتلجأ لحرب نفسية “رديئة” لا تخدع صانع القرار في طهران.
الخلاصة والمسار القادم (التحضير للصدمة):
لقد استنفدت الوساطة الباكستانية أغراضها؛ واشنطن تتراجع عن التزاماتها لحماية حرية عمل إسرائيل، وطهران ترفض التنازل عن سيادة حلفائها.
السيناريو الأرجح والخطير: ترامب، المحاصر بين ضغوط نتنياهو وأزمة التضخم الأمريكية (تجاوز البنزين 4.5 دولار)، قد يلجأ إلى استراتيجية “التصعيد القسري المزدوج”. سيُعطي الضوء الأخضر لإسرائيل بشن أعنف الغارات التدميرية على لبنان (وربما بيروت) لمحاولة كسر إرادة المقاومة، بينما يُبقي قاذفات (B-1B) مستنفرة لتهديد إيران بـ “عمليات دقيقة” إذا ما حاولت إسناد حزب الله بقوة.
في المقابل، إيران والمقاومة جاهزتان لـ “الردع غير المتماثل”. إذا ما انهارت الهدنة بالكامل، سيتحول إغلاق هرمز من إجراء إداري إلى “إغلاق عسكري”، وستُفعل إيران أدواتها في البحر الأحمر (اليمن)، بينما سيُوسع حزب الله نطاق استهدافاته لتشمل قواعد استراتيجية في العمق الإسرائيلي.
نحن أمام لحظات مصيرية؛ فإما أن ترضخ واشنطن لشروط طهران وتُجبر إسرائيل على وقف إطلاق النار بلا شروط، أو تنزلق المنطقة، بـ “خطأ حسابي” أمريكي، إلى جحيم الحرب الإقليمية المفتوحة التي ستُغير شكل الشرق الأوسط إلى الأبد.
