صيف غزة… حيث تتحول خيام النزوح إلى أفران خانقة ويصبح الظل أمنية ومعاناة تتضاعف
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تقرير : عامر الفرا – غزة – ZNN
مع كل صباح يشرق على قطاع غزة، تبدأ معاناة جديدة لعشراتِ آلافِ النازحين الذين يقيمون في خيام مؤقتة نصبت فوق الرمال أو بين أنقاض المباني أو حتى المخيمات العشوائية في منطقة مواصي مدينتي رفح وخان يونس جنوب القطاع.
لكن مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، لم تعد الحرب وحدها ما يهدد حياتهم، بل أصبحت الشمس نفسها خصماً يومياً، يحول الخيام إلى أفران مغلقة لا تُطاق، ويجعل ساعات النهار رحلة شاقة من البحث عن نسمة هواء أو بقعة ظل.
داخل مخيمات النزوح الممتدة في أنحاء القطاع، تبدو الحياة وكأنها معلقة بين قماش رقيق لا يحجب حرارة الشمس، وأرض ملتهبة تنقل سخونتها إلى كل ما فوقها. تتلاصق الخيام، وتضيق المساحات، بينما يغيب كل ما يمكن أن يخفف وطأة الصيف، فلا كهرباء ولا مراوح، ولا مياه كافية، ولا خصوصية تمنح العائلات فرصة لالتقاط أنفاسها..
في ساعات الظهيرة، يخلو كثير من الخيام من ساكنيها حيث يخرج الأطفال حفاة إلى الممرات الرملية، رغم حرارة الأرض، لأن البقاء داخل الخيمة أكثر قسوة.
يجلس الرجال والنساء تحت أي قطعة قماش أو لوح خشبي يلقي بظل صغير، بينما تتعالى أصوات الأطفال الذين أنهكهم الحر والعطش، في مشهد يختصر حجم المأساة التي يعيشها النازحون منذ أشهر..
مراسل ZNN زار أحد مخيمات النزوح في منطقة مواصي خان يونس جنوب القطاع وألتقى بالنازحين هناك والاقتراب أكثر من معاناتهم
يقول النازح عبد الحميد بركات لـ ZNN ، وهو نازح من مدينة غزة ويقيم حالياً في خيمة بالمواصي جنوب القطاع مع زوجته وخمسة من أطفاله، إن الصيف كشف هشاشة الحياة داخل المخيمات أكثر من أي وقت مضى.
“في الشتاء كنا نخشى الغرق مع كل منخفض جوي، أما اليوم فنخشى أن نختنق من شدة الحر، الخيمة تتحول بعد الظهر إلى صندوق مغلق، لا نستطيع الجلوس فيه أكثر من دقائق، الأطفال يخرجون وهم يبكون، وأحياناً أجلس معهم تحت الشمس لأن الوقوف خارج الخيمة أهون من البقاء داخلها.”
وأضاف عبد الحميد وهو ينظر إلى سقف الخيمة البلاستيكي: “قبل الحرب كنا نشتكي من انقطاع الكهرباء، أما الآن فأصبح حلمنا فقط جدار إسمنتي يحمينا من الحر،
لم نعد نطلب الكثير، نريد مكاناً نستطيع أن نعيش فيه بكرامة.”
وداخل الخيام تتضاعف معاناة النساء، خصوصاً مع مسؤوليات رعاية الأطفال وإعداد الطعام في ظروف تفتقر إلى أبسط المقومات.
تقول النازحة لواحظ أبو عودة لـ ZNN، وهي أم لأربعة أطفال نزحت أكثر من مرة منذ بداية الحرب، إن أكثر ما يؤلمها هو عجزها عن حماية أطفالها من الحر.
“أطفالي يستيقظون وملابسهم مبللة بالعرق، أجسادهم امتلأت بالحبوب والطفح الجلدي بسبب الحرارة والرطوبة، ولا أملك سوى الماء لتبريدهم، وحتى الماء أصبح نادراً، عندما يطلبون مني تشغيل مروحة أو جهاز تبريد أشعر بالعجز، فلا كهرباء ولا شيء.”
وتابعت: “أحياناً أقضي ساعات ألوح لهم بقطعة كرتون حتى يناموا، لم أتخيل يوماً أن تصبح هذه أبسط أمنياتي، أن أرى أطفالي ينامون دون أن يوقظهم الحر أو البعوض.”
ولا تقف الأزمة عند حدود الحرارة المرتفعة، بل تمتد إلى شح المياه، حيث يضطر كثير من النازحين إلى تقنين استخدامها للشرب والطهي، ما يجعل الاستحمام أو غسل الملابس ترفاً لا يتوفر إلا على فترات متباعدة، وهو ما يزيد من انتشار الأمراض الجلدية بين الأطفال.
ويقول المواطن خالد عاشورلـ ZNN، وهو نازح يقيم في أحد مخيمات المواصي: “الماء الذي نحصل عليه بالكاد يكفي للشرب.
لا نستطيع الاستحمام كل يوم، ومع الحرارة الشديدة تصبح الروائح خانقة داخل الخيام، الأطفال يتعرضون للدغات الحشرات باستمرار، ولا توجد أدوية أو كريمات متوفرة.”
وأضاف عاشور “في الليل نتوقع أن تنخفض الحرارة، لكننا نصطدم بالرطوبة والاختناق والبعوض، لا نستطيع النوم إلا لساعات قليلة، ثم نستيقظ لنبدأ يوماً جديداً من المعاناة.”
وفي جولة أخرى داخل عدد من مخيمات النزوح، تبدو تفاصيل الحياة اليومية شاهداً على واقع إنساني بالغ القسوة، عبوات المياه الفارغة مصطفة أمام الخيام بانتظار تعبئتها، وقطع القماش المعلقة بين الأوتاد تستخدم لصناعة مساحات ظل صغيرة، بينما يحاول بعض الأطفال تبريد أجسادهم برش الماء على الرمال أو الجلوس قرب خزانات المياه، رغم أن حرارة الجو لا تمنحهم سوى دقائق قليلة من الراحة.
وأكدت عائلات نازحة أن ارتفاع درجات الحرارة زاد من حالات الإغماء والإجهاد الحراري، خاصة بين كبار السن والمرضى، في وقت يعاني فيه القطاع تراجعاً كبيراً في الخدمات الطبية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الصحية، ما يجعل التعامل مع الحالات الطارئة أكثر صعوبة.
كما يشكو النازحون من أن الخيام، التي صُممت لتكون حلاً مؤقتاً، أصبحت مكان إقامة طويل الأمد، رغم أنها لا تصلح لتحمل تقلبات الفصول، ففي الشتاء تغرق بالمياه، وفي الصيف تتحول إلى مصدر إضافي للمعاناة، بينما تستمر أزمة النزوح دون أفق واضح لانتهائها..
ويقول الناشط سامح الجدي لـ ZNN وهو مختص في الشأن الإنساني أن استمرار موجات الحر، مع الاكتظاظ الكبير داخل المخيمات، ونقص المياه النظيفة، وتدهور خدمات الصرف الصحي، يرفع من احتمالية انتشار الأمراض، ويشكل خطراً متزايداً على الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن، الذين يعدون الأكثر هشاشة في مثل هذه الظروف.
وأضاف الجدي أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة يفاقم معاناة النازحين الذين يفتقرون لأبسط مقومات الحياة وبصعوبة بالغة يوفرون الماء وقد يقطعون مسافات طويلة للحصول عليه
وناشد المجتمع الدولي والمؤسسات الاغاثية والانسانية ان تضغط على اسرائيل من أجل السماح بإدخال المعدات اللازمة وقطع الغيار لاعادة اصلاح وتأهيل آبار المياة التي دمرت بالقطاع من أجل تزويد النازحين بماء نظيف صالح للشرب ويخفف عنهم حرارة الجو
وبين لهيب الشمس وقسوة النزوح، يقضي سكان المخيمات أيامهم وهم يحاولون التكيف مع واقع فرضته الحرب، لم تعد مطالبهم تقتصر على الغذاء والماء، بل أصبحت تشمل حقاً أساسياً يبدو بعيد المنال: مكان يحميهم من ا
