الجنوب في قلب إسطنبول… حين تتجاوز رسالة العلم حدود الجغرافيا
لم يكن حضور الجنوب اللبناني في إسطنبول مجرد مشاركة أكاديمية في مؤتمر دولي، بل كان حضورًا لرسالة تربوية وإنسانية تنطلق من أرض عرفت التحديات، ولم تتخلَّ عن إيمانها بالعلم ودوره في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لقد حملت الدكتورة مريم حسن الحاج إلى المنبر الدولي صورة الجنوب الذي لا تختزله الحروب والأزمات، بل تعبّر عنه أيضًا مدارسه وجامعاته ومؤسساته، ونساؤه اللواتي حوّلن المعرفة إلى قيادة، والتحديات إلى مبادرات، والإرادة إلى أثر.
ومن قلب الجنوب إلى إسطنبول، ارتفع صوت المرأة التربوية ليؤكد أن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالعقول التي تُربّي، والقيم التي تُزرع، والأجيال التي تحمل رسالة التغيير.
المرأة التربوية… من التعليم إلى القيادة وصناعة الأثر
جاء ذلك خلال مشاركة الدكتورة مريم حسن الحاج، ابنة بلدة الصرفند الجنوبية، متحدثةً في قمة النساء صانعات التغيير – النسخة السادسة عشرة في إسطنبول، حيث قدّمت ورقتها البحثية بعنوان:
«المرأة التربوية صانعة التغيير: من التعليم إلى القيادة وصناعة الأثر – قراءة اجتماعية وتربوية من الجنوب اللبناني في دور المرأة في التعليم والتعليم العالي والتربية».
وقد تُوِّجت مشاركتها في القمة بتسلّم درعٍ تكريميٍّ خلال فعاليات المؤتمر، في محطةٍ جسّدت حضور المرأة الجنوبية على المنابر الدولية، وحملها رسالة العلم والتربية والقيادة وصناعة الأثر.
وانطلقت الورقة من الجنوب اللبناني، من الصرفند وصيدا وصور إلى النبطية وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا والقرى الحدودية، بوصفه فضاءً اجتماعيًّا وتربويًّا تتجلّى فيه قدرة المرأة على تحويل التحديات إلى فرص، والتعليم إلى قيادة، والمعرفة إلى أثر مجتمعي.
نماذج نسائية رائدة في صناعة التغيير
استعرضت الباحثة خمسة نماذج نسائية لبنانية جسّدت مسارات متكاملة في التربية والقيادة:
– السيدة رباب الصدر: من الرعاية الإنسانية إلى التربية والتمكين عبر مؤسسات الإمام الصدر، تأكيدًا أن بناء الإنسان أساس التنمية المجتمعية.
– السيدة بهية الحريري: من العمل التربوي إلى القيادة المؤسسية وصناعة القرار، في تجربة ارتبطت في دور التعليم في النهوض بالمجتمع.
– المربّية الراحلة البروفيسورة الدكتورة منى حداد يكن: من الشمال إلى الجنوب، نموذج للقيادة النسائية في التعليم العالي عبر جامعة الجنان، حيث تتجاوز رسالة المعرفة الحدود الجغرافية.
– السيدة رندة بري عاصي: من الرعاية والتأهيل إلى التربية المختصة والدمج التربوي والاجتماعي، من خلال تجربة مدرسة لوى، تجسيدًا لحق الجميع في التعليم.
– النائبة الدكتورة عناية عزّ الدين: من المعرفة العلمية إلى القيادة التشريعية والاجتماعية، وربط العلم بالسياسات الداعمة للتربية وحقوق المرأة والطفل.
وتلتقي هذه التجارب عند فكرة محورية: أن المرأة تصنع التغيير حين تتحوّل معرفتها إلى مبادرة، ومبادرتها إلى مؤسسة، ومسؤوليتها إلى أثر مستدام.
من التجربة الشخصية إلى صناعة الأثر
وتناولت الباحثة تجربتها الشخصية، بدءًا من قرار العودة إلى التعليم بعد انقطاع دام أربع سنوات، مستحضرةً أثر معلّمتها الأستاذة غادة خليل التي شجّعتها بعبارة: «ستنجحين»، وصولًا إلى نيل الدكتوراه في العلوم الاجتماعية، والعمل في التعليم والإرشاد والتوجيه التربوي والاجتماعي، والتدريس الجامعي في جامعة الجنان، والتعليم الثانوي في ثانوية الصرفند الرسمية.
وجسّدت الدكتورة الحاج انتقال المعرفة إلى الممارسة من خلال مبادرات تربوية وإنسانية واجتماعية امتدّت على مساحة الجنوب اللبناني، تشاركت في تنفيذها مع مركز الخدمات الإنمائية في الصرفند وفروعه، والبلديات، والمنظمات الدولية، والجمعيات المدنية والأهلية والكشفية، والمؤسسات التربوية، ترجمةً لقيم التضامن والمواطنية والمسؤولية الاجتماعية، وتجسيدًا لأهمية الشراكة المجتمعية في صناعة التغيير والأثر المستدام.
«كل خيار يترك أثرًا»… خلاصة المسيرة والرسالة
اختصرت الدكتورة الحاج فلسفة تجربتها بعبارة «كل خيار يترك أثرًا»؛ فالعودة إلى التعليم كانت خيارًا غيّر مسار حياتها، والاستمرار في طلب العلم فتح أمامها آفاق العمل الأكاديمي، وتحويل المعرفة إلى مبادرات إنسانية وسّع أثرها إلى المجتمع.
وخلصت الورقة إلى أن المرأة التربوية ليست ناقلةً للمعرفة فحسب، بل صانعة للوعي، وبانية للأجيال، وشريكة في القيادة والتغيير.
وهكذا، حمل الجنوب اللبناني إلى إسطنبول رسالة تؤكد أن قيمة التعليم لا تُقاس بما يمنحه من شهادات ومواقع، بل بما يصنعه من إنسان واعٍ، وما يتركه من أثر في المجتمع.
«فالإنجاز الحقيقي ليس أن يصل الإنسان وحده، بل أن يفتح بوصوله طريقًا لغيره… وكل خيار يترك أثرًا».
