ليلة نقولا | أستاذة جامعية في العلاقات الدولية
وضعت النتائج الرسمية لانتخابات الكنيست النظام السياسي الإسرائيلي أمام معضلة، فقد استقر معسكر بنيامين نتنياهو عند 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما حققت الأحزاب العربية إنجازاً غير مسبوق بحصولها على 19 مقعداً.
في المدى القريب جداً، ستحاول المعارضة استثمار هذا الواقع عبر معارك تشريعية داخل الكنيست، تبدأ بمحاولة تغيير رئيس البرلمان وتمرير قوانين جديدة خلال فترة مشاورات تشكيل الحكومة. لكن، نتائج الانتخابات وفشل المعسكران اليهوديان الرئيسيان في إنتاج أغلبية حاكمة، وبات مصير نتنياهو كرئيس حكومة مجدداً غير مضمون، فهل يمكن أن يشكّل التصعيد الإقليمي مخرجاً له؟
أولاً: الحرب كآلية لتأجيل الصراع الداخلي
داخل المجتمع الإسرائيلي، لطالما أدت الحروب الكبرى إلى إعادة ترتيب سلم الأولويات وإرجاء الانقسامات السياسية الحادة ودفعها الى الخلفية مؤقتاً. ويستند هذا النمط إلى افتراض راسخ لدى المؤسسة الإسرائيلية مفاده أن التهديد الوجودي الخارجي يعيد إنتاج درجة من التماسك الوطني تعجز السياسة اليومية عن توفيرها.
ومن هذه الزاوية، إن أي مواجهة إقليمية واسعة مع إيران قد توفر لنتنياهو ثلاثة مكاسب سياسية متزامنة:
أ- إطالة عمر الحكومة الانتقالية
إن اندلاع حرب إقليمية واسعة يخلق بيئة سياسية وأمنية تجعل تغيير السلطة أولوية ثانوية مقارنة بالتحديات الوجودية. وفي ظل حرب مفتوحة، يبقى رئيس الحكومة الانتقالية عملياً في موقع إدارة الدولة، ما يمنح نتنياهو هامشاً زمنياً وسياسياً إضافياً قد لا يكون متاحاً في الظروف العادية.
ب- فرض إطار وطني جامع
في حال اندلاع الحرب، ستتعرض أحزاب المعارضة، خصوصاً تلك التي يقودها جنرالات سابقون مثل غادي آيزنكوت أو شخصيات أمنية مثل نفتالي بينيت، لضغط شعبي ومؤسساتي للانخراط في آلية تنسيق أو حكومة طوارئ واسعة. يرتبط هذا بثقافة سياسية إسرائيلية ترى أن إدارة حرب إقليمية كبرى لا يمكن أن تتم في ظل انقسام سياسي حاد، وعادة ما يتمّ تشكيل حكومات وحدة وطنية خلالها. تجدر الإشارة الى أن أيزنكوت كان في حكومة الوحدة التي نشأت بعد 7 أكتوبر، الى ان استقال في حزيران 2024.
ج- تجميد البحث بالتناقضات الجوهرية
تكشف نتائج الانتخابات أن الخلافات بين التحالفات وداخلها تحتوي على تناقضات داخلية، أبرزها قانون التجنيد ومكانة الحريديم وتوزيع الأعباء داخل المجتمع الإسرائيلي. في ظروف الحرب، تتراجع هذه القضايا تلقائياً لمصلحة الاعتبارات الأمنية والعسكرية.
ثانياً: نافذة الفرصة المتاحة
إن التقارب السياسي بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يخلق، من وجهة نظر الأخير، فرصة نادرة لإعادة طرح خيار المواجهة الشاملة مع إيران. وبعد انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية، سوف تتراجع القيود الانتخابية التي دفعت إدارة ترامب الى تأجيل الأعمال الحربية خوفاً من ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة.
والأهم من ذلك أن الحسابات الإسرائيلية لا تنطلق فقط من العلاقة بين نتنياهو وترامب وهي الأقوى مع أي رئيس أميركي، بل أيضاً من قراءة أوسع للبيئة الإقليمية، حيث يعتقد نتنياهو أن ما تم تحقيقه منذ 7 أكتوبر يجب أن يُستكمل عبر “إسقاط النظام في إيران” وإن إيران وحلفاءها أمام ضغوط عسكرية واقتصادية هائلة، وبالتالي هناك فرصة استراتيجية لإنهاء المحور يصعب تكرارها.
في النتيجة، يبدو التصعيد ضد إيران حاجة إسرائيلية داخلية وفرصة استراتيجية لا يريد نتنياهو تضييعها. وبينما يحاول العرب ومعهم العالم الى تجنب هذه الحرب التي أرخت بتداعياتها على العالم ككل، سيعمد نتنياهو الى تحفيز ترامب لعودة الحرب على إيران بعد الانتخابات النصفية. وهكذا، تبقى الأسئلة المفتوحة: هل يندفع ترامب مرة أخرى للحرب، وهل تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة التحكم بمسار الحرب ونتائجها إذا اندلعت، أم أن السعي إلى تحقيق انتصار ساحق قد يفتح الباب أمام أزمات أوسع من تلك التي يراد احتواؤها؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
