أولى تحديات العهد…إشكالية حكم أم صراع على السلطة..!!

كاتب وخبير دستوري وأستاذ جامعي
مع تولي العماد جوزاف عون رئاسة الجمهورية، وتكليف القاضي نواف سلام تشكيل الحكومة، دخل لبنان مرحلة سياسية مفصلية تتشابك فيها الحسابات الداخلية مع التوازنات الإقليمية والدولية. فالعلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية وان كانت تعكس مبدئيا تناغما في الرؤية حول استراتيجية بناء الدولة الا انها بالوقت نفسه تؤشر إلى بروز صراع خفي بين مقاربتين مختلفتين للحكم لا يختصر فقط على اختلاف مرحلي لتوجهات سياسية بل يعكس صراعا عميقا لجهة كيفية إعادة تشكيل الملف المالي في لحظة تتداخل فيها عوامل محليةو دولية.
التوازن الدستوري بين الرئاستين.
يحدد الدستور اللبناني دور رئيس الجمهورية باعتباره “حكمًا” بين السلطات، في حين أن السلطة التنفيذية مناطة بمجلس الوزراء الذي يرأسه رئيس الحكومة. نظريًا، يفترض أن يكون التعاون بين الرئيسين سلسًا، لكن الواقع اللبناني غالبًا ما يعكس خلافات تتراوح بين التباين في المقاربات إلى التنافس على الصلاحيات، خاصةً في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية.
وفي السياق، يُطرح السؤال: حول مدى قدرة رئيس الجمهورية في ضبط إيقاع السلطة التنفيذية دون التدخل في صلاحيات رئيس الحكومة؟ وهل يسعى رئيس الحكومة بالمقابل إلى ترسيخ نهج مستقل عن التأثيرات السياسية التقليدية؟
نقاط الخلاف بين عون وسلام.
- التعيينات المالية والإدارية.
برز أول اختبار للعلاقة بين الرجلين عند طرح تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان. ففي حين ضغط الرئيس عون باتجاه تعيين المصرفي كريم سعيد، أبدى الرئيس سلام تحفظًا، مطالبًا بمزيد من المشاورات والتوافق السياسي قبل الحسم. هذه الواقعة أظهرت اختلافًا في الرؤى بين رئيس جمهورية يسعى إلى فرض خياراته ورئيس حكومة يفضل النهج التوافقي. - السياسة النقدية والاقتصادية.
يُعرف نواف سلام بميله إلى مقاربة إصلاحية تتماشى مع متطلبات المؤسسات الدولية، بينما يُقال إن الرئيس عون يميل إلى نهج أكثر تحفظًا، يأخذ بالاعتبار التوازنات الداخلية. هذه التباينات قد تعكس خلافا في إدارة الملفات الاقتصادية الكبرى، لا سيما في ما يتعلق بمصير خطة التعافي المالي والتفاوض مع صندوق النقد الدولي. - التوازنات السياسية – الطائفية.
لا يمكن فصل العلاقة بين الرجلين عن الواقع السياسي اللبناني المعقد. فقد وصل نواف سلام إلى رئاسة الحكومة بدعم قوى التغيير والمستقلين، فيما جاء جوزاف عون إلى سدة الرئاسة من خلفية عسكرية بتوافق داخلي وزخم خارجي. هذا التباين في الخلفيات قد ينعكس على إدارة شؤون الحكم، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة مع القوى السياسية المؤثرة مثل “حزب الله” و”حركة أمل”. - إدارة مجلس الوزراء.
يُلاحظ أن سلام يحرص على التمسك بصلاحياته التنفيذية، بينما يسعى رئيس الجمهورية إلى لعب دور أكثر تأثيرًا في قرارات الحكومة، ما قد يؤدي إلى توترات غير معلنة، خاصة في ظل الحاجة إلى قرارات حاسمة بشأن ملفات كبرى مثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي ، واموال المودعين.. وخطة التعافي الاقتصادي….الخ. إشكالية حكم أم صراع نفوذ؟
في الأنظمة الديمقراطية، من الطبيعي أن يحصل تباين في وجهات النظر بين رئيسي الجمهوريةوالحكومة، لكن في لبنان، حيث الطائفية والاصطفافات السياسية تلعب دورًا أساسيًا، قد يتحول أي خلاف إلى أزمة سياسية كبرى.
حتى اللحظة، لا يمكن القول إن العلاقة بين عون وسلام وصلت إلى مستوى “الصراع المفتوح”، لكنها تتجه نحو اختبار حقيقي مع الوقت. فإذا استمر التباين في الخيارات السياسية والاقتصادية، فقد نشهد جولات من التوتر قد تؤثر على عمل الحكومة، وربما تصل إلى أزمة حكم على غرار ما شهدناه في تجارب سابقة.
بين الواقعية السياسية والطموحات الإصلاحية، تتشكل ملامح العلاقة بين الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام. وما إذا كانت هذه العلاقة ستتجه نحو شراكة ناجحة وفاعلة أم انها ستتحول مع الوقت إلى صراع نفوذ، فذلك يعتمد على مدى قدرة الرجلين على التكيف مع المعادلة اللبنانية وتعقيداتها ، وعلى طبيعة التحديات المقبلة التي ستفرض نفسها على مستوى القرار.
