المقاومة اللبنانية… واجب ديني وقرار وطني غير مُستورد!/ د. نسيب حطيط
قرأنا في كتب التاريخ أن “لبنان تحت الانتداب الفرنسي” أعلن الحرب على ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ونقرأ اليوم أن “لبنان تحت الانتداب الأميركي” أعلن الحرب على إيران والمقاومة، وأعلن بشكل قطعي انتهاء مرحلة “تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج”، وأن لا سلاح سوى سلاح الدولة… من دون تحديد هوية هذه الدولة، لأننا لا نرى سلاحاً يقصفنا ولا طائرات تتجسس علينا سوى الطائرات الإسرائيلية والمتعدّدة الجنسيات.
إن الرد على موضوع “تصدير الثورة” هو مسؤولية الإخوة في إيران، فهم من يقرّرون الرد أو عدمه، لأنهم المتّهَمون بالتصدير، بينما نحن – الشيعة اللبنانيين – متَّهَمون بالاستيراد، في إطار لائحة اتهام تعمد إلى تزوير تاريخ المقاومة في لبنان، بمراحلها الدينية واليسارية والقومية والوطنية، والتي تؤكّد، بالوقائع واعترافات الأعداء، أنها بدأت قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وأنها مقاومة لبنانية المنشأ، وطنية الثقافة والسلوك، شارك فيها وطنيون لبنانيون من مختلف الطوائف والعقائد والانتماءات.
فقد شارك في المقاومة ضد العدو الإسرائيلي: المسلمون والمسيحيون، اليساريون والعلمانيون، المتدينون والقوميون. وهؤلاء ليسوا جميعاً مرتبطين بإيران. ونؤكد من دون خجل أو تردّد على تحالفنا مع إيران في مواجهة المشروع الأميركي-الإسرائيلي-التكفيري.
إن إطلاق هذه التصريحات المستفزّة ضد المقاومة يكشف إما عن سطحية وسذاجة القائلين، أو عن خضوعهم لضغوط خارجية، تمهيداً لطلب مساعدة عسكرية أجنبية للقضاء على “الوجود الأجنبي” الذي يمثلونه بالمقاومة وأهلها، بالتوازي مع اعتبار جيش الاحتلال الإسرائيلي جيشاً حليفاً أو صديقاً يمكن الاستعانة به (كما صرّح بعض اليمين المسيحي)، لنزع سلاح المقاومة، مع التأكيد على عدم إطلاق النار عليه بقرار سياسي.
وربما يتطرّف البعض بعد نزع السلاح إلى اعتبار الشيعة اللبنانيين نازحين طارئين يجب إعادتهم إلى العراق وإيران! نذكّر هؤلاء بتاريخ المقاومة في لبنان، التي يبدو أنهم غرباء عنها، أو ممن انقلبوا على تاريخهم المقاوم، وتقدّموا بطلبات “لجوء سياسي” إلى المشروع الأميركي-الإسرائيلي، ويعرضون أوراق اعتمادهم بالاستعداد للتطبيع والسلام مع “إسرائيل”، أملاً في الحصول على بطاقة “لاجئ سياسي” في الجنّة الأميركية!
نذكّر هؤلاء الطارئين على السياسة والتاريخ، أن الأحزاب القومية والبعثية والناصرية شاركت في أعمال المقاومة في ستينيات القرن الماضي، وكانت مرتبطة بدمشق والقاهرة وجمال عبد الناصر، ولم تكن مرتبطة بإيران.
وشاركت الأحزاب اليسارية في سبعينيات القرن الماضي بأعمال المقاومة، وكانت ترتبط بالاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، ولم تكن على علاقة بإيران.
وقد قاوم الشيعة اللبنانيون الانتداب الفرنسي والاحتلال الإسرائيلي، بل وقبل ذلك الاحتلال العثماني والصليبي، قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران.
شارك المرجع السيد محسن الأمين (الشيعي اللبناني) في تحرير سوريا من الانتداب الفرنسي، من خلال دعوته إلى “إضراب الأربعين”، ولم تكن الثورة الإيرانية قد انتصرت بعد.
وأعلن الإمام موسى الصدر العمل الفدائي المقاوم ضد العدو الإسرائيلي، وأسس أفواج المقاومة اللبنانية، قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران.
ويعترف العدو بأن الشيعة اللبنانيين كانوا أول من هرّب السلاح لثورة الشيخ عز الدين القسام عام 1936، أي قبل ولادة كثير من الذين يُطلقون هذه التصريحات، وقبل انتصار الثورة الإيرانية.
أما “المقاومة الإسلامية” المُتَّهمة، فقد وُلدت نتيجة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، بدعم إيراني وسوري، ولم تولد نتيجة انتصار الثورة عام 1979. وكل المقاتلين في صفوفها – قيادةً وعناصر – هم لبنانيون حتى “الجد العاشر” و”الجد العشرين”، ويمكن لبعض الجهلة زيارة مقابر القرى للتأكد من ذلك. وقد أهدت المقاومة انتصاراتها إلى لبنان واللبنانيين، لا إلى إيران.
المقاومة ليست غريبة أو مستوردة كما هي بعض الجماعات التكفيرية التي ذهبتم وبايعتموها، وأعلنتم الولاء لها (بأمر أميركي)، بعدما قاطعتم سوريا المقاومة (أيضاً بأمر أميركي) طوال الحرب عليها.
إن المقاومة في لبنان مقاومة أصيلة، غير هجينة، ولا يمكن تدجينها. هي معروفة الآباء والأمهات، والأصول والنسب، خلافاً لمن تتحالفون معهم من مجهولي النسب والانتماء، سواء كانوا شتات اليهود في “إسرائيل” أو شتات التكفيريين في سوريا.
تصريحاتكم ستبقى أضغاث أحلام. فالمقاومة وأهلها باقون، والسلاح المقاوم سيبقى حتى زوال التهديد الإسرائيلي أو قيام دولة قادرة على حماية نفسها وشعبها.
نحذّر بعض المسؤولين السياسيين والرسميين من مغبّة التورط في تنفيذ المشروع الأميركي-الإسرائيلي، وننصحهم بالعقلانية والموضوعية، حتى لا يلقوا مصير “أنطوان لحد” وغيره من العملاء والأحزاب الذين تعاونوا مع العدو.
وربما يأتي “عيد المقاومة والتحرير” العام القادم، ولن تكونوا على كراسيكم، لأن المقاومة وأهلها سيحرّرون لبنان منكم، ومن الاحتلال، ومن الوصاية الأميركية.
وسيبقى لبنان حرّاً مستقلاً… بسواعد المقاومين اللبنانيين، أهل الأرض.
