ما لم يقله أحد.. رسائل العاشر من محرم في خطاب الشيخ نعيم قاسم
في ختام مراسم العاشر من محرم لهذا العام، اعتلى الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم منبر كربلاء ليخاطب جمهور المقاومة بلغة العاشقين للإمام الحسين، ويخاطب في الوقت عينه خصوم الداخل وأعداء الخارج بلغة الاستعداد والجهوزية والثقة.
لم يكن الخطاب تقليديًا، بل جاء حمّال رسائل لافتة، موزعة على الداخل والخارج، وكأنه خريطة طريق للمرحلة القادمة بكل ما فيها من احتمالات.
أولًا: على المستوى الداخلي.. تجديد البيعة وترسيخ العقيدة
لم تخرج كلمة الشيخ قاسم عن عمقها الحسيني، لكنها ذهبت أبعد من الشعارات العاطفية، لتُرسّخ معادلة واضحة: المقاومة ليست خيارًا سياسيًا، بل امتداد عقائدي لنهج كربلاء، والإمام الحسين ليس فقط “إمامًا للثورة” بل هو “إمام الاستمرار” في وجه كل ظلمٍ واستبداد.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في هذا السياق، يمكن رصد عدة رسائل داخلية حملها الخطاب:
-
التأكيد على صلابة القاعدة الشعبية للمقاومة: إذ أشار إلى الحضور الواسع في المجالس والمسيرات العاشورائية هذا العام بوصفه الأكبر منذ سنوات، ليضع بذلك حدًا لكل التحليلات التي تحدثت عن تراجع التعبئة أو الفتور في بيئة المقاومة.
-
رسالة وحدة داخلية: أعلن الشيخ قاسم وبوضوح أن حزب الله وحركة أمل “على قلب واحد”، وأن بيئة المقاومة – بكل أطيافها – موحدة تحت راية الحسين، مشيرًا حتى إلى المتدينين وغير المتدينين بوصفهم نسيجًا واحدًا في لحمة الصراع مع العدو.
-
انفتاح مشروط على بناء الدولة: أبرز الخطاب استعداد الحزب لمناقشة “الاستراتيجية الدفاعية” وكل ما يتعلق بمستقبل لبنان، لكن بشرط مسبق: إنهاء العدوان الإسرائيلي وتنفيذ بنود الاتفاق الأولي، بما في ذلك وقف الانتهاكات وإعادة الأسرى وبدء الإعمار.
ثانيًا: تجاه العدو الإسرائيلي.. المقاومة خيار حياة لا مساومة
لعل من أقوى ما جاء في الخطاب هو الرد الصريح على الطروحات التي تربط المقاومة بـ”الخطر على لبنان”، حيث انقلبت المعادلة رأسًا على عقب: إسرائيل هي الخطر، والمقاومة هي الحل.
-
رفض مطلق للتهديد: شدد قاسم على أن خيار المقاومة ثابت، وأن التهديد بالقتل أو الاستسلام أصبح من الماضي، واصفًا معادلة العدو بأنها “سخيفة”، ولا تصلح في قاموس من تربوا على “هيهات منا الذلة”.
-
المعادلة الجديدة: “حقوقنا أو باطلكم”: وهي معادلة ترتكز على حق المقاومة في الدفاع والاستمرار، وليس على رد الفعل فقط. إنها إعلان أن المقاومة لا تنتظر العدوان لترد، بل تسعى لبناء ميزان قوة مستمر.
-
التمسك بالسلاح كحق سيادي: الرد على الأصوات الداعية لنزع سلاح حزب الله جاء بصيغة منطقية ووجدانية: “كيف نواجه إسرائيل إن لم يكن معنا سلاح؟”، رافضًا تحويل لبنان إلى سجن كبير يُمنع فيه على المقاومة أن تتنفس أو تردع.
ثالثًا: رسائل إقليمية.. تثبيت المحور وقيادة المشروع
في فقرة البرقيات التي أنهى بها الشيخ قاسم خطابه، وجّه رسائل شكر وتحايا لمحور المقاومة من إيران إلى اليمن والعراق وفلسطين.
-
إيران: أكد مجددًا على أن الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخامنئي هي راية المستضعفين، ومصدر الدعم التاريخي للمقاومة، مشيدًا بدورها في كسر العدوان الأخير واحتواء التحديات.
-
فلسطين وغزة: تحية احترام وصمود إلى أهل غزة الذين “يقاومون بصدورهم العارية”، مؤكّدًا استمرار الدعم حتى التحرير، في تأكيد للتماهي بين جبهتي الجنوب وفلسطين.
-
اليمن والعراق: لم يكن ذكر هذه الجبهات عابرًا، بل ضمن سياق تثبيت مشروع إقليمي موحد، يُواجه التطبيع من جهة، ويضع مشروع “تحرير الأرض” كمشروع جامع، عابر للحدود والهويات الضيقة.
ختامًا: المقاومة ليست بندًا.. بل هوية
خطاب الشيخ نعيم قاسم كان أشبه بعقيدة مقاومة مكتوبة بلغة محمّلة بالتاريخ والدمع والتحدي.
إنه ليس خطابًا يمرّ في سياق سياسي عابر، بل نصٌ تأسيسي لمسار آتٍ: مقاومةٌ حاضرة للسلم كما للحرب، مدّ يد لبناء الوطن، مع شدّ اليد الأخرى على الزناد لحمايته.
في زمن التهديد والتطويق، جاءت كربلاء لبنان لتقول كلمتها مجددًا:
“ما تركتك يا حسين.. ما خذلناك يا لبنان”.
