التنمية المؤجلة: كيف تؤثر الترتيبات الأمنية على الجدوى الاقتصادية في لبنان؟/ د. هنا عرابي
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
المقدمة
يُجمع الباحثون في الاقتصاد السياسي على أن العلاقة بين الأمن والتنمية هي علاقة معقدة يسودها التوتر والجدل. فالأمن يُفترض أن يكون شرطاً مسبقاً للتنمية الاقتصادية، لكنه في المقابل لا يستمر من دون تنمية قادرة على معالجة جذور الأزمات الاجتماعية. تجربة لبنان الممتدة لعقود تكشف بوضوح ما يمكن تسميته بـ “التنمية المؤجلة”، حيث تتعطل المشاريع الاقتصادية الكبرى بسبب الترتيبات الأمنية المعقدة المفروضة داخلياً وإقليمياً ودولياً.
منذ اتفاق الطائف عام 1990 مروراً بالقرار 1701 بعد حرب تموز 2006 وصولاً إلى حرب 2024 في الجنوب اللبناني، ظلّت التنمية رهينة الهدنة الأمنية الهشّة. فمليارات الدولارات التي صُرفت أو وُعد بها لم تتحول إلى استقرار اقتصادي مستدام، بل ضاعت بين اعتبارات سياسية، واشتراطات المانحين، وصدمات أمنية متكررة.
أولاً: الترتيبات الأمنية في السياق اللبناني
اتخذت الترتيبات الأمنية في لبنان أشكالاً متجددة:
الخطوط العازلة: بدءاً من جنوب الليطاني بعد القرار 1701، وصولاً إلى المناطق المستهدفة عام 2024 حيث توسعت العمليات العسكرية وأُعيد طرح فكرة “المنطقة الأمنية العازلة” على الطاولة.
وقف إطلاق النار الهشّ: إذ سُجل بعد حرب 2024 أكثر من 500 خرق أمني خلال الأشهر الأولى فقط، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
التداخل الدولي والإقليمي: حيث تعكس الترتيبات الأمنية صراع النفوذ بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، فيما يبقى لبنان الحلقة الأضعف.
هذه الترتيبات خلقت بيئة من “الاستقرار المؤقت”، تمنع الانفجار الشامل لكنها تُبقي الاستثمار والتنمية في حالة انتظار دائم.
ثانياً: التداخل بين الأمن والاقتصاد بعد حرب 2024
أثبتت حرب 2024 هشاشة الاقتصاد اللبناني أمام أي توتر أمني:
السياحة: تراجع عدد الوافدين بنسبة تقارب 70% بين تموز وأيلول 2024 (وزارة السياحة)، ما كبّد القطاع خسائر تقدّر بـ1.5 مليار دولار.
التحويلات المالية: تقلّصت بمعدل 12% في النصف الثاني من 2024، وفق بيانات البنك الدولي، نتيجة مخاوف المغتربين من تحويل الأموال إلى بلد غير مستقر.
الزراعة في الجنوب: تكبد المزارعون خسائر تفوق 150 مليون دولار نتيجة القصف وإغلاق المعابر. بعض التقديرات أشارت إلى أنّ 35% من الأراضي الزراعية تضررت بشكل مباشر.
هذا التداخل يُظهر أن أي مشروع تنموي يصبح عرضة للتوقف أو التآكل بمجرد اهتزاز الوضع الأمني.
ثالثاً: الجنوب نموذجاً للتنمية المؤجلة
الجنوب اللبناني كان الأكثر تضرراً:
بعد 2006، رُصد أكثر من 4.5 مليار دولار لإعادة الإعمار، لكن معظم المشاريع لم تستكمل.
في حرب 2024، قُدّرت الخسائر المباشرة في البنى التحتية بأكثر من 9 مليارات دولار (تقرير “الإسكوا”، كانون الأول 2024).
أكثر من ١،٥ مليون شخص نزحوا من قراهم، ما خلق فجوة إضافية في سوق العمل وزاد معدلات الفقر.
وبحسب البنك الدولي، ارتفعت نسبة الفقر في الجنوب إلى ما يفوق 65% بنهاية 2024، ما يعكس الأثر المركب للأمن المؤجل والتنمية المؤجلة معاً.
رابعاً: تكلفة الفرصة الضائعة
صندوق النقد الدولي قدّر أن كل سنة عدم استقرار في لبنان تؤدي إلى خسارة نحو 2% من الناتج المحلي. ومع حرب 2024، خسر لبنان ما يعادل 5 مليارات دولار من ناتجه خلال عام واحد.
الهجرة ارتفعت: إحصاءات “الدولية للمعلومات” أظهرت أن 52% من خريجي الجامعات عام 2024 يخططون لمغادرة لبنان، وهي أعلى نسبة منذ التسعينيات.
تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أقل من 700 مليون دولار عام 2024، وهو أدنى مستوى منذ عقدين.
هذه الأرقام تُظهر أن التنمية المؤجلة تتحول إلى نزيف طويل الأمد.
خامساً: الديناميات السياسية وتأثيرها
حرب 2024 أوضحت أن الترتيبات الأمنية ليست محايدة:
بعض القوى اللبنانية ربطت التمويل الدولي بشروط سياسية.
الأطراف الإقليمية استخدمت الجنوب كساحة رسائل عسكرية، على حساب التنمية.
المانحون الدوليون (الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي) ربطوا أي مساعدات بخطط إصلاحية معقدة، ما زاد من هشاشة المشهد.
وبذلك تحولت التنمية إلى ورقة مساومة أكثر من كونها حقاً وطنياً.
الخاتمة
يُظهر المشهد اللبناني بعد حرب 2024 أن تأجيل التنمية لا يوقف الحرب بل يعيد إنتاجها. الأمن شرط للتنمية، لكن التنمية بدورها ضمانة للأمن. إن استمرار ربط أي مشروع اقتصادي بالتسويات الأمنية لا يؤدي سوى إلى مزيد من التأجيل والخسائر.
ولذلك، فإن كسر دائرة “التنمية المؤجلة” يتطلب إدراج التنمية في صلب المعادلة الأمنية، بحيث تتحول المشاريع الاقتصادية إلى أدوات لتحقيق الاستقرار لا رهائن له. عندها فقط يمكن للبنان أن يتخطى تبعات حرب 2024 وما سبقها، وينطلق نحو تنمية مستدامة تحفظ أمنه وسيادته ومستقبل أجياله.
