بين فقدان السيطرة ودروس ما بعد الحرب.. من يفهم الآخر يملك مفاتيح النصر/بقلم: آية يوسف المسلماني
في لحظات التحوّل الكبرى لا تُقاس الحروب فقط بميزان القوة العسكرية، بل بمدى القدرة على ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو فقدان السيطرة.
هذا المفهوم الذي قد يبدو عابراً في توصيف المشهد، هو في الحقيقة نقطة الانكسار التي تفصل بين استراتيجية محسوبة وانفعال مكلف.
حين تتحوّل الحرب من أداة لتحقيق أهداف سياسية إلى سلوك تدميري تحت ذرائع الإضعاف والزعزعة، فإنها تدخل مرحلة خطرة قد لا يدفع ثمنها طرف واحد.
في هذا السياق، تبدو المواجهة مع إيران محكومة بتعقيدات تتجاوز الميدان، إذ إن الرهان على ضربة قاضية سريعة يصطدم بحقائق الزمن والاقتصاد وتشابك المصالح الدولية.
الوقت هنا ليس عاملاً محايداً بل خصم للجميع، وكلما طال أمد الصراع ارتفعت كلفته وتآكلت جدواه.
إيران من جهتها لا تتعامل مع الصراع بمنطق الخسارة الفردية، بل وفق معادلة صلبة: إن سقطت، فليكن السقوط جماعياً.
هذه المقاربة لا تعني بالضرورة الانتصار، لكنها تعني رفع سقف الكلفة إلى حد يجعل أي طرف آخر يعيد حساباته مراراً قبل المضي قدماً.
وفي الخلفية تقف قوى كبرى تراقب وتُقدّر وتنتظر اللحظة المناسبة لإعادة رسم التوازنات بما يخدم مصالحها.
لكن بعيداً عن صخب المعارك، هناك جبهة أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً وهي جبهة الفكر والتحليل.
مراكز الأبحاث تلك التي تعمل بصمت بعيداً عن الأسماء الرنانة، تُشكّل في الواقع العصب الحقيقي للحروب ومحركاً أساسياً لمسارات السلام.
فهي التي تفكك سلوك الآخر، وتقرأ عقله وتستشرف قراراته قبل أن تتحوّل إلى أفعال.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تنشغل مراكز الأبحاث العربية بفهم الآخر كما ينبغي؟
أم أنها لا تزال أسيرة المقاربات التقليدية التي تكتفي بوصف الأحداث دون الغوص في دوافع صانعيها؟
إن دراسة الشخصيات التي تدير العالم، وفهم بنيتها النفسية والفكرية ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة استراتيجية.
فحين تفهم من تحاربه، تعرف كيف تردعه، وحين تفهم من تسعى للسلام معه، تعرف كيف تبني جسوراً لا تنهار عند أول اختبار.
أما بعد الحرب أو حتى في فترات الهدوء الهش، فإن الدروس والعبر تبقى الثروة الحقيقية التي لا يجوز التفريط بها.
فالتجارب مهما كانت قاسية، تحمل في طياتها مفاتيح التصحيح والتقدم.
غير أن المشكلة لا تكمن في غياب الدروس، بل في تجاهلها أو الاتكال على الآخرين لاستخلاصها بالنيابة عنا.
الفارق شاسع بين من يعتمد على عقول وقدرات وتحالفات الآخرين، وبين من يُراكم خبراته الذاتية ويحوّلها إلى قوة مستقلة.
الأول يظل عرضة للابتزاز والتبعية، أما الثاني فيمتلك القدرة على المناورة وتفادي التهديدات الوجودية.
من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها، أن القوة وحدها لا تكفي دون وعي عميق بكيفية استخدامها،
وأن الزمن عنصر حاسم قد يحوّل النصر إلى عبء،
وأن فهم الآخر ليس خياراً بل شرطاً أساسياً للبقاء،
وأن الاستقلال في التفكير والتحليل هو الخطوة الأولى نحو الاستقلال في القرار.
في النهاية لا تُحسم الحروب دائماً في ميادين القتال، بل كثيراً ما تُحسم في العقول التي تُديرها.
ومن لا يتعلّم من تجاربه، سيجد نفسه يعيدها ولكن بكلفة أعلى ونتائج أشد قسوة.
