عنوان المقال: حين تُحاصَر الطفولة… يَفِرّ الحرفُ من الخوف ويُقيم في الضوء/ د. رنا يحيى الصايغ
في ZNN، لا نكتب تكراراً لما قيل، بل نُعيد صياغة الصمت ليصبح صوتاً، ونمنح الواقع لغةً تليق بثقله.
فنحن اليوم لا نعيش حرباً فقط، بل نعيش امتحاناً للإنسان فينا: هل نبقى كما نحن، أم تُعيدنا الظروف إلى نسخةٍ أكثر وعياً… أو أكثر انكساراً؟
أيّها القارئ،
لم تعد الحرب خبراً يُقرأ، بل قدراً يُعاش؛
ولم يعد الخوف حالةً عابرة، بل صار رفيقاً دائماً، ينام في الزوايا، ويستيقظ في التفاصيل.
في هذا المشهد، يقف التلميذ لا بين مقعدين، بل بين عالمين:
عالمٍ يطلب منه أن يحفظ الدرس،
وآخر يُجبره أن يحفظ نفسه.
أيّ مفارقةٍ هذه؟
كتابٌ يُفتح ليُقرأ، ونافذةٌ تُفتح ليُراقَب منها الخطر؛
درسٌ عن المستقبل، وواقعٌ يُهدد الحاضر؛
كلماتٌ عن الأمل، وأصواتٌ تُعيد الخوف.
أما الأهل، فقصتهم ليست أقل وجعاً…
فهم بين قلبٍ يخاف، وعقلٍ يحاول أن يتماسك؛
بين رغبةٍ في الحماية، وحاجةٍ إلى الاستمرار؛
بين دمعةٍ مخفية، وكلمةٍ مُطمئِنة.
هنا، تتجلّى أعقد معادلات الحياة:
كيف نُربّي في زمنٍ لا يرحم؟
كيف نزرع الطمأنينة في أرضٍ تهتز؟
كيف نقنع الطفل أن الغد جميل، ونحن لا نملك له ضماناً؟
لكن، وسط هذا التناقض، يولد المعنى.
فالحرب، وإن ضاقت، تُوسّع فينا شيئاً آخر:
تُوسّع الوعي، تُعمّق الإحساس، تُعيد ترتيب الأولويات.
نعم،
قد يتأخر درس الرياضيات… لكن درس الصبر يتقدّم؛
قد يُلغى امتحانٌ مدرسي… لكن امتحان الحياة قائم؛
قد تضيع بعض التفاصيل… لكن تتجلّى الحقائق.
التعليم هنا لا يُقاس بالعلامات، بل بالثبات؛
ولا بالشهادات، بل بالقدرة على الاستمرار؛
ولا بعدد الصفحات، بل بعمق التجربة.
أيها الأهل،
لا تبحثوا عن الكمال في زمنٍ مكسور، بل عن التوازن؛
لا تُثقلوا أبناءكم بما لا يُحتمل، بل خفّفوا عنهم ما لا يُقال.
فالكلمة الطيبة في زمن الحرب، ليست مجاملة… بل علاج.
وأنتَ أيها التلميذ،
إن شعرتَ أن العالم يضيق، فتذكّر أن داخلك أوسع؛
وإن ارتبكتَ من الضجيج، فاصنع في قلبك هدوءك الخاص.
فالقوة لا تعني ألا تخاف… بل أن تمضي رغم الخوف.
في النهاية،
لسنا أمام حربٍ تُدمّر فقط، بل أمام فرصةٍ تُعيد تشكيل الإنسان.
فإما أن نخرج منها مثقلين بالكسور،
أو مملوئين بالدروس.
وهنا تكمن الحقيقة التي لا تُدرَّس:
ليس كل ما يُفقد في الحرب خسارة،
وليس كل ما يبقى بعده نجاة…
لكن الإنسان، إن وعى، يستطيع أن يحوّل الألم إلى معنى،
والخوف إلى بداية.
– خبيرة تربوية، مدربة ومستشارة دولية في التربية والتعليم
