عيدُ الفصحِ في زمنِ الحرب… بين صليبِ الألمِ وقيامةِ الأمل/د. رنا يحيى الصايغ
أيُّ فصحٍ هذا الذي يُطلُّ علينا، لا بزينةِ الفرحِ بل بزخّاتِ القلق، لا بأجراسِ الكنائسِ بل بأصواتِ القذائف؟
أيُّ عيدٍ هذا الذي يُعلن القيامة، فيما الحياةُ حولنا تُنازع بين موتٍ يُداهم، وخوفٍ يُلازم، ومصيرٍ يُعاند؟
في هذا الزمنِ العاثر، تاهَ الطلابُ بين كتابٍ مُهملٍ وبيتٍ مُهدّم، بين حلمٍ يُؤجَّل، ومستقبلٍ يُجهَل.
صاروا بين علمٍ يُطلب ولا يُنال، وأمنٍ يُرجى ولا يُطال؛
بين دفترٍ ينتظر، وذاكرةٍ تضطرب؛
بين مدرسةٍ تُغلق، وحياةٍ تُقلق.
يا لطباقِ هذا المشهد!
نورٌ يُقابله نار، وأملٌ يُصارعه ألم، وقيامةٌ تُجاورها قيامةٌ أخرى… لكنّها قيامةُ الخوفِ في الصدور.
نعيشُ حياةً في ظاهرها موت، وموتًا في باطنه حياة؛
نرى ضحكاتٍ تُخفِي دموعًا، وطمأنينةً تُضمر هلعًا.
الفصحُ—وما أدراك ما الفصح—ليس يومًا يُحتفى به، بل معنىً يُحتذى،
ليس طقسًا يُؤدّى، بل درسًا يُروى:
أنّ بعد الصليبِ قيامة، وبعد العتمةِ إشراقة، وبعد الانكسارِ انتصار.
لكن، كيف نُقنع طفلًا أنّ النورَ آتٍ، وهو لا يرى إلا ليلًا مُقيمًا؟
كيف نُحدّثه عن الأمل، وهو يُحصي الخسارات بدل العلامات؟
كيف نزرع فيه الطمأنينة، وقد اقتُلِع من جذوره قبل أن يشتدّ عوده؟
هنا تتجلّى المقابلة في أقسى صورها:
طفولةٌ تُفترض أن تُرعى، فإذا بها تُفجع؛
مدارسُ يُفترض أن تُفتح، فإذا بها تُقفل؛
أحلامٌ يُفترض أن تُبنى، فإذا بها تُهدم.
ومع ذلك…
يبقى في القلبِ متّسعٌ لرجاءٍ لا يُقهر، ونبضٌ لا يُقبر، وصوتٌ يهمس:
إنّ الذي غلب الموت، قادرٌ أن يُحيي ما أماتته الحرب.
أيّها المربّون، يا حرّاسَ الغدِ في زمنِ الضياع،
إنّ رسالتكم اليوم ليست تعليمًا فحسب، بل تضميدٌ وتشييد؛
ليست شرحًا وتلقينًا، بل دعمٌ وتمكين.
علّموا أبناءكم أنّ القوة ليست في أن لا نخاف، بل في أن نُقاوم الخوف؛
وأنّ الثبات ليس غياب السقوط، بل القدرة على النهوض بعده.
قولوا لهم:
إنّ الفصحَ ليس ذكرى… بل بشرى؛
وأنّ القيامةَ ليست حدثًا… بل وعدًا؛
وأنّ الأملَ، وإن خفت، لا ينطفئ؛ وإن تأخّر، لا يتلاشى.
وفي الختام، نقولها جناسًا يختصر الحكاية:
بين نارٍ ونور، بين دمارٍ ودار، بين خوفٍ وخير… يبقى الإنسانُ هو الرهان.
فصحٌ جريح… نعم،
لكنّه فصحٌ يُعلّمنا أنّ من رحمِ الجراح، تُولدُ الأفراح؛
وأنّ القيامةَ، وإن تأخّرت، آتية… لا محالة.
بقلم د. رنا يحيى الصايغ
خبيرة تربوية، مرشدة اجتماعية أسرية، مدربة ومستشارة دولية.
