خليل: حكايةٌ من طين جبل عامل ونارِهِ/ بقلم المحامي سميح بركات
في هذه الأيام التي يثقلها عبق الموت والبارود، صار الهاتف في أكفنا قيداً لا ينفك، وصارت قلوبنا ساحاتٍ للقلق يتردد فيها صدى الميدان. نحن القابعين خلف الشاشات الباردة، نرقب الأنفاس القادمة من هناك، حيث الإخوة والرفاق يسيّجون القرى بأهداب العيون تحت عين الله. تشبه حالنا حال السيدة زينب (عليها السلام) وهي ترقب أفق كربلاء، قلبٌ يبحث عن بصيص أمل يُحيي الروح، وعقلٌ يدرك بمرارة أن درب الحق في هذا الجبل لم يكن يوماً إلا معبّداً بالتضحيات الجسام.
ثم جاء الخبر كزفرةٍ حارقة شقت سكون النزوح: “غارة على بلدة صديقين.. إصابات.. وشهداء”. بدأ الوقت يتباطأ، والأسماء تتكشف ببطء يذبح الروح: شهداء بينهم شهيد من كشافة الرسالة.. من فرقة “جبال البطم”.. حتى نطق الوجع بالاسم الذي لطالما تحاشينا تخيله بين الغائبين: القائد خليل مهنا استشهد.
هنا استحضرني مشهد الوداع يوم نزوحنا قبيل الفجر، الإخوة المسعفون في حالة استنفار، مرّت سيارة الاسعاف الأولى يقودها القائد ….
” ديرو بالكم”، ثم مرت السيارة الثانية المعروفة بال ٥١٩ التي كان يحبها خليل ويعاملها كأنها إبنته ،ايضاً “دير بالك وانتبه” .
كنت أحدث نفسي يقيناً بأن كل من سألتقي به منهم بعد العودة سيكون “مولوداً من جديد”، لكن خليل كان يختصر في ملامحه يقيناً آخر، يقين من يعرف أن العودة الحقيقية لا تكون إلا لنرفعه فوق الأكتاف.
أعذرني يا صاحب الغيرة والسيرة التي غدت “روايةً” يتناقلها المسعفون بخشوع، كأنها فصلٌ من تاريخ جبل عامل القديم. في الحرب السالفة حدثوني عن شجاعةٍ غريبة تسكنك، روى أحدهم عن إقدامك ، ما إن يدوّي صوت الغارة ويمزق سكون الوديان، حتى تكون أول المتحركين صوب الدخان، لا ترهبك مسيّرة ولا يردك هدير طائرة، وإن كنت حملت في جسدك أوجاع إصابة حرب 2006 لسنوات، إلّا أن ذلك الألم لم يثنك يوماً عن امتطاء صهوة الميدان من جديد. كان همّك الوحيد أن تضمّد جرحاً أو تنقذ روحاً، حاملاً دمك على كفك كقربانٍ دائم.
رغم أنني كنت أتوقع له هذا الختام المسك، إلا أن رحيلك ترك في القلب غصةً استثنائية. ربما لأنك كنت حالة نادرة في الإخلاص لنهج الإمام المغيب السيد موسى الصدر، تجسد “نكران الذات” في أبهى صوره، تعطي دون سؤال، وتتقدم حيث يتباطئ الآخرون، بعيداً عن ضجيج “الأنا” وبريق الظهور.
أشهد أنك قد سعيت خلف الشهادة في زواريب القرى وحقول الزيتون طويلاً، واليوم، نلت ما تمنيت ووفّقت في مسعاك. رحلتَ يا أخي لتبقى رمزاً خالداً، ولتغدو قصتك منارةً تهتدي بها الأجيال في دروب العطاء والوفاء، تماماً كما تبقى جبال الجنوب شامخةً رغم العواصف.

