إستشهاد عناصر أمن الدولة في سراي النبطية يتجاوز المكان إلى الفِكرة/ عباس قبيسي
ليست الشهادة حدثًا عابرًا في سجلّ الأيام، بل هي لحظة يتكثّف فيها المعنى وتعلو فيها الروح فوق الجسد، كأنّ الإنسان يُختصر كلّه في موقف. هي ليست موتًا كما تبدو في ظاهرها بل حياةٌ تُعاد كتابتها بمدادٍ من نور حين يختار المرء أن يكون في الصفّ الأمامي حيث الخطر الحقيقي والواجب قدر.
في نهار الجمعة، 10 نيسان 2026، لم يكن سراي النبطية الواقع في شارع العالم حسن كامل الصباح مجرّد مبنى إداري يحتضن مكاتب ادارات الدولة ومعاملات الناس وشؤونهم، بل كان شاهدًا على جريمةٍ تتجاوز المكان إلى الفكرة هناك، حيث كان يقف عناصر جهاز أمن الدولة في مواقعهم اثناء خدمتهم، لم يكونوا جنود حربٍ في ساحة مواجهة مفتوحة، بل موظفين يؤدّون واجبهم الوظيفي تحت سقف الدولة وباسمها ومن أجل انتظام حياتها ومع ذلك، امتدّت يد العدوان الصهيوني لتطالهم في قلب عملهم في وضح النهار في استهدافٍ مباشر لا لبس فيه.
لم يكن هؤلاء الشهداء مجرّد أسماء تُضاف إلى لوائح الخسارة، بل كانوا وجوهًا من هذا المجتمع اللبناني، أبناء بيوتٍ تعرف الصبر وآباءً أو إخوةً أو أصدقاء يحملون في تفاصيلهم اليومية بساطة الحياة وصدق الانتماء، كانوا أولئك الذين يرتدون بدلتهم الرسمية لا كزينة بل كالتزام، ويقفون خلف مكاتبهم كما يقف غيرهم على الجبهات، لأنّ حماية الدولة ليست حكرًا على جهاز دون آخر بل هي مسؤولية كلّ من موقعه.
في مناقبيتهم، يبرز ذلك الهدوء الذي يشبه يقين من يعرف طريقه، وذلك الانضباط الذي لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه، لم يكونوا باحثين عن بطولة او ظهور بل عن أداءٍ نزيهٍ لواجبهم لكنّ البطولة اختارتهم في لحظةٍ قاسية، فصاروا عنوانًا لها في عيونهم كانت تسكن الطمأنينة وفي خطواتهم كان يسير معنى الخدمة العامة لا كوظيفةٍ عابرة بل كرسالة.
غير أنّ السؤال الذي لا يجوز أن يُؤجَّل، ولا أن يُلفّ بالصمت، هو أين تقف الدولة اللبنانية من كلّ ذلك؟
فحين يُستهدف عناصرها في مراكزهم الرسمية لا يكون الأمر حادثًا عابرًا بل مسًّا مباشرًا بهيبتها وامتحانًا حقيقيًا لمسؤولياتها. الدولة هنا، ليست مجرّد بيانات إدانة واستنكار أو مراسم تشييع رسمية بل موقف واضح يُعيد الاعتبار لدم هؤلاء عبر حماية مؤسساتها، ومحاسبة المعتدي والسعي لعدم تكرار هذا المشهد الدموي.
إنّ ترك دماء الشهداء في إطار الرثاء فقط هو انتقاص من قيمتها لأنّ الشهادة في جوهرها دعوةٌ للاستمرار لا للتوقّف وللتصحيح لا للتبرير هؤلاء لم يسقطوا لأنهم كانوا في موقع ضعف بل لأنهم كانوا في موقع الواجب، والواجب لا يُحمى إلا بدولةٍ تعرف معنى نفسها.
هكذا، في سراي النبطية، لم يُستهدف أشخاصٌ فقط، بل استُهدفت فكرة الدولة في إحدى تجلّياتها ومع ذلك، يبقى في الدم ما يقول إنّ هذا البلد، رغم كلّ ما يُصيبُه لا يزال قادرًا على أن يُنجب من يقفون ولو كلّفهم ذلك حياتهم وبذل دمائهم، وكأنّ الشهداء وهم يغادرون بهدوءٍ يشبههم، يتركون لنا وصيّةً غير مكتوبة أن لا نكتفي بتشييعهم والبكاء عليهم بل أن نكون جديرين بما كانوا عليه… فالوطن الذي يُحرس بدمهم لا يليق به إلا أن يُصان.
