المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية: بين تعقيد الواقع ووهم الحسم القريب
كتبت زهراء سويد
في السياسة، لا تُقاس الملفات بمدى الرغبة في حلّها، بل بقدرة الأطراف على تحويل التناقض إلى أرضية تفاهم. ومن هذا المنطلق، يبدو الحديث عن مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل أقرب إلى محاولة السير في حقل مليء بالتداخلات التاريخية والأمنية والسياسية، حيث يصبح أي تبسيط للواقع اختزالًا مُخلًّا لا يعكس حجم التعقيد القائم.
يمكن فهم هذا المشهد من خلال ثلاث دوائر مترابطة:
أولًا: حدود تتجاوز الجغرافيا
قضية الحدود بين لبنان وإسرائيل لا تُختزل بخط على الخريطة، بل هي امتداد لصراع طويل من انعدام الثقة وتجارب غير مكتملة. وحتى عندما يُطرح خيار التفاوض، فإنه لا ينطلق من “نقطة الصفر”، بل من تراكمات ثقيلة تجعل كل تفصيل تقني محمّلًا بدلالة سياسية وأمنية. لذلك، فإن أي اتفاق محتمل لا يُقاس بسهولة الوصول إليه، بل بمدى قدرة الأطراف على تقبّل التنازل دون شعور بالخسارة الاستراتيجية.
ثانيًا: إقليم لا يسمح بالاستقرار الكامل
المشهد الإقليمي المحيط بلبنان لا يتيح استقرارًا نهائيًا ولا انفراجًا سريعًا. فكل تحوّل سياسي أو أمني في المنطقة ينعكس مباشرة على مسار التهدئة أو التصعيد. هذا التشابك يجعل المفاوضات رهينة شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية، تتجاوز إرادة الأطراف المباشرة، وتحوّل أي قرار إلى جزء من توازنات دقيقة ومعقدة.
وفي هذا الإطار، تساهم التصريحات الدولية، ومنها مواقف Donald Trump، في زيادة مستوى الغموض، إذ تُقرأ غالبًا كرسائل سياسية قابلة لتأويلات متعددة، أكثر من كونها خطوطًا واضحة لسياسة مستقرة، ما يضيف طبقة إضافية من عدم اليقين إلى المشهد.
ثالثًا: الإنسان خارج معادلة القرار
بعيدًا عن طاولة التفاوض، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تأثرًا والأقل تأثيرًا. فالأزمات السياسية لا تبقى محصورة في البيانات الرسمية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: الأمن، الاقتصاد، والاستقرار النفسي. وهنا يظهر التناقض الأوضح في هذا النوع من النزاعات، حيث تكون القرارات بيد قلة، بينما تتحمل الأكثرية النتائج.
خاتمة: إدارة أزمة لا صناعة سلام
في ظل هذه المعطيات، يبدو الحديث عن اتفاق قريب أقرب إلى التمنّي منه إلى التوقع الواقعي. فالمشهد الحالي لا يشير إلى مسار سلام مكتمل، بل إلى إدارة مستمرة لأزمة طويلة الأمد، تتأرجح بين التهدئة والتصعيد دون حسم نهائي.
ومع ذلك، يبقى الحوار والدبلوماسية الخيار الأكثر واقعية لتفادي الانزلاق نحو مزيد من التوتر. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الحلول العسكرية لا تنتج استقرارًا دائمًا، بينما يظل التفاوض—رغم بطئه—المسار الأقل كلفة والأكثر قدرة على فتح نافذة استقرار ولو تدريجية.
وفي المحصلة، يبقى هذا الملف عالقًا في منطقة وسطى: لا حرب شاملة، ولا سلام مكتمل… بل حالة انتظار طويلة تُعيد تعريف معنى “الاستقرار المؤجل”.
