لبنان على حافة الذاكرة: من جحيم الحرب الأهلية إلى معركة الوحدة في وجه التقسيم/د.وشاح فرج
تمر ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية كجرح مفتوح في الذاكرة الوطنية، لا يندمل بسهولة، ولا يجوز أن ينسى. فهي ليست مجرد محطة تاريخية عابرة، بل تجربة قاسية شكلت وجدان اللبنانيين، وأعادت رسم ملامح الدولة والمجتمع على حد سواء.
لقد دفع لبنان ثمنا” باهظا” خلال تلك الحرب التي امتدت من عام 1975 إلى 1990. عشرات الآلاف من الضحايا سقطوا بين قتيل وجريح، ومئات الآلاف هجروا من بيوتهم وقراهم، وتفككت أوصال الدولة، وتعرض الاقتصاد لانهيار شبه كامل. كما أصابت الحرب البنية الاجتماعية في الصميم، إذ عمقت الانقسامات الطائفية، وزرعت الشك والخوف بين أبناء الوطن الواحد.
ولم تقتصر الخسائر على الجانب البشري والمادي فحسب، بل شملت أيضا” خسارة الثقة بالدولة ومؤسساتها، واهتزاز فكرة العيش المشترك التي لطالما تميز بها لبنان. لقد تحولت المدن إلى خطوط تماس، وغدا السلاح لغة يومية، وغاب القانون لصالح منطق القوة.
وفي خضم تلك المرحلة السوداء، برز صوت وطني جامع تمثل في الإمام موسى الصدر، الذي أدرك مبكرا” مخاطر الانزلاق نحو الحرب والتقسيم. فعمل بكل ما أوتي من حكمة وجرأة على الدعوة إلى الحوار، ورفض منطق الاحتراب الداخلي، مؤكدا” أن لبنان لا يبنى إلا بوحدة أبنائه. وقد شكلت مواقفه الرافضة للتقسيم، وسعيه إلى حماية السلم الأهلي، ركيزة أساسية في مواجهة مشاريع التفتيت التي كانت تحاك آنذاك. ولم يكن مشروعه يقتصر على طائفة بعينها، بل كان مشروع دولة عادلة تحتضن جميع أبنائها دون استثناء.
ورغم انتهاء الحرب رسميا” مع اتفاق الطائف، فإن آثارها لا تزال ماثلة حتى اليوم، سواء في النفوس أو في بنية النظام السياسي. فالمصالحة الوطنية، وإن أوقفت نزيف الدم، لم تستكمل بعملية عدالة انتقالية شاملة تنهي إرث الحرب وترسخ السلم الأهلي على أسس متينة.
وإذا انتقلنا إلى الحاضر، نجد أن لبنان لا يزال يقف في قلب عواصف إقليمية متلاحقة. فالتوترات التي تشهدها المنطقة، لا سيما في فلسطين، وامتدادات الصراعات في سوريا، تلقي بظلالها الثقيلة على الداخل اللبناني. كما أن الاعتداءات المتكررة من قبل إسرائيل على الأراضي اللبنانية تبقي البلاد في حالة استنفار دائم، وتهدد استقراره الهش.
في هذا السياق، يبرز دور المقاومة بوصفها خيارا”تبناه جزء من اللبنانيين في مواجهة الاحتلال والاعتداءات. وقد استطاعت هذه المقاومة أن تسجل محطات مفصلية، أبرزها التحرير عام 2000 في جنوب لبنان، وحرب تموز 2006، حيث صمدت في وجه العدوان وأثبتت قدرة على الدفاع عن الأرض والسيادة، وفق رؤية مؤيديها.
وفي امتداد لهذا النهج الوحدوي، برز دور الرئيس نبيه بري، الذي عمل، منذ توليه مسؤولياته الوطنية، على تثبيت الاستقرار الداخلي والحفاظ على وحدة البلاد. فقد شكلت مواقفه السياسية، وسعيه الدائم إلى الحوار بين مختلف الأطراف، عنصر توازن في لحظات الانقسام الحاد. كما لعب دورا” محوريا” في ترسيخ مفهوم التعايش بين الطوائف، والدفع باتجاه حلول سياسية تجنب لبنان الانزلاق مجددا” إلى الفتنة.
لقد أدركت القيادات الوطنية، وفي طليعتها الإمام موسى الصدر والرئيس نبيه بري، أن قوة لبنان لا تكمن في غلبة فئة على أخرى، بل في وحدة مكوناته، وأن أي مشروع تقسيمي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضعف والانهيار.
غير أن الدرس الأهم الذي يجب أن نستحضره في هذه الذكرى، هو أن الانقسام الداخلي يشكل الخطر الأكبر على لبنان، وأن أي خلاف، مهما اشتد، يجب أن يبقى تحت سقف الدولة والحوار، لا أن يتحول إلى صراع مسلح يعيد البلاد إلى دوامة الحرب.
إن الحفاظ على السلم الأهلي هو مسؤولية جماعية، تبدأ من الوعي الشعبي، وتمر عبر مؤسسات الدولة، وتنتهي بإرادة سياسية صادقة تغلب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. فلبنان، الذي أنهكته الحروب، لا يحتمل تكرار التجربة، ولا يملك ترف الانزلاق مجددا” إلى العنف.
وفي الختام، تبقى الذكرى مناسبة للتأمل والمراجعة، لا لاستعادة الأحقاد. هي دعوة صادقة لأن نحصن وطننا بوحدتنا، وأن نتمسك بحقنا في العيش بسلام وكرامة، وأن نأمل بأن يكون المستقبل أكثر إشراقا”، وأن ينتصر الحق، وأن تصان الأرض ويحفظ الإنسان، بعيدا” عن ويلات الحروب التي لم تجلب يوما” إلا الخراب.
عسى أن لا تتكرر تلك المأساة، وأن يبقى لبنان وطن الحياة لا ساحة للحروب.
