كتبت زهراء سويد :
ليس من السهل أن نكتب عن التعليم في الجنوب، لأن ما نعيشه لا يشبه أي بيئة تعليمية طبيعية يمكن أن تُقاس أو تُقارَن. ما نعيشه هو يوميات خوف، وتهجير، وقلق دائم، يرافق أطفالنا قبل أن يرافق دفاترهم وكتبهم.
عندما تسلّمتِ منصبك، فرحنا. قلنا إن هذه المرأة ستكون قريبة من قلوب الأمهات، وستشعر بأطفال الجنوب كأنهم أطفالها. قلنا إن في هذا الموقع اليوم قلبًا قد يكون قلب أم، أو يعرف معنى الأمومة، وسيكون أكثر حنانًا، وأكثر فهمًا لوجع أطفالنا. علّقنا آمالًا كبيرة بأن نجد من يسمعنا، ومن يقدّر ما نمرّ به.
أبناء الجنوب، وخصوصًا في القرى الحدودية، لم يعرفوا الاستقرار منذ فترة طويلة. منذ حرب الإسناد والتهجير الأول، وحتى اليوم، لا يزال الطفل الجنوبي يتنقّل بين أماكن لا تشبه منزله، ولا مدرسته، ولا حياته التي اعتاد عليها. هناك من وُضع في مدارس مكتظة لا تتسع حتى لحاجاتهم النفسية، وهناك من يعيش مع عائلته في شقق صغيرة تضم عدة عائلات، حيث الضجيج، والازدحام، وغياب أي مساحة للتركيز أو الهدوء.
كيف يمكن لطفل أن يدرس في ظل هذا الواقع؟ كيف يمكن لعقل صغير أن يستوعب دروسه، بينما قلبه معلق بمنزله، بخوفه، وبأصوات لم تغب عن ذاكرته؟
في الجنوب، الطفل قد يكون جالسًا يفتح كتابه، يحاول أن يركّز، أن يتمسّك بشيء طبيعي في حياته… وفجأة، صوت غارة قريبة يهزّ المكان. لحظة واحدة كفيلة بأن تعيد إليه كل الخوف، كل القلق، كل الصور التي لا يجب أن يحملها طفل في ذاكرته. في تلك اللحظة، لا يعود الدرس مهمًا، ولا الامتحان، بل فقط النجاة والشعور بالأمان.
ثم نُفاجأ بقرارات تُعامل هؤلاء الأطفال وكأنهم يعيشون في ظروف عادية. امتحانات موحّدة، معايير واحدة، ومقارنة ظالمة بين من عاش الأمان، ومن عاش تحت التهديد. أي عدالة في ذلك؟ وأي منطق تربوي يقبل أن يُقاس طفل عاش الحرب، بطفل لم يسمع صوتها؟
نحن لا نطلب تفضيلًا، ولا نبحث عن استثناءات بلا سبب. نحن نطلب فقط أن يتم النظر إلى واقعنا بعين إنسانية. أن يُؤخذ بعين الاعتبار ما مرّ به أطفالنا من خوف وتهجير وعدم استقرار. أن يكون هناك وعي بأن التعليم لا يقوم فقط على الامتحانات، بل على بيئة آمنة تسمح للطفل أن يكون طفلًا قبل أن يكون طالبًا.
حاولوا أن تضعوا أنفسكم مكاننا… مكان أم ترى طفلها يدرس على ضوء القلق، ومكان طفل يحاول أن يحفظ درسه بينما قلبه يرتجف من أي صوت مفاجئ.
وفي النهاية، أنا لا ألومكم… لأنكم ببساطة لستم أبناء هذا الجنوب، ولن يفهم ابن الجنوب إلا ابن الجنوب
