الأسس الفكرية للكيان الاميركي 1/3
كتبت الدكتور حسين صفي الدين:
ان اكتشاف القارة الأمريكية، في أواخر القرن الخامس عشر 1492، لم يكن إنجازاً ملاحياً جغرافياً كبيرين وحسب، إنما أسس لتحولات كبيرة على مستوى العالم والقارة الأوروبية بشكل خاص.
فالممالك الأوروبية بدأ تنافسها على احتلال الأراضي الجديدة وبناء مستعمرات فيها، على حساب سكانها الأصليين، ونهبت ثرواتها في القرن السابع عشر بداع الاستعمار الاستيطاني، وذبح 90% من السكان الأصليين، وهذه الثروات الآتية من القارة العذراء أدت إلى دفع العجلة الاقتصادية وتطور الصناعة في أوروبا.
واستطاعت هذه الممالك أن تعزز أساطيلها الحربية، وفتحت الشهية الاستعمارية لهذه البلدان مستخدمة أسلحتها الحديثة وأساطيلها لاحتلال الجزء الكبير من بلدان آسيا وإفريقيا. حتى تشكل في أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر النظام الكولونيالي العالمي.
وفي خضم هذه التحولات نشأ كيان في شمال القارة الأمريكية –الولايات المتحدة الأمريكية- من رحم المستوطنات البريطانية 1776. حيث خاضت ثلاث عشرة مستوطنة حرب الاستقلال، وكان هذا الكيان، وفي مسار عملية البناء يتحضر لأدوار طبعت القرن العشرين، الذي كان أكثر القرون عنفاً في تاريخ البشرية، وأسس لنشوء (النيوكولونيالية) عبر حروب توسعية على الأرض الأمريكية، في القرن التاسع عشر، ثم انطلق عبر المحيط مستهدفاً السيطرة في أوروبا وعشرات الحروب الإقليمية، وبناء القواعد العسكرية التي تخطت الثمانماية قاعدة في العالم.
ولكن من أين جاء هذا العنف الأمريكي؟ بهدف السيطرة العسكرية والاقتصادية والمالية.
ومن أين جاءت سياسة الهيمنة الأميركية هذه؟
إن من عقيدة المهاجرين الأولين “الطهرانية” Puritanisme الذين قادوا رحلات الانتقال إلى أميركا الجديدة بهدف “قيام مدينة الرب على الأرض” 1628؟ أما الكالفينية / كحركة إصلاح دينية / التي شرّعت الربا وشرعت الثروة بلا حدود وبلا قيود؟ بتضاد مع الكاثوليكية التي كانت قد حرَّمتها. لا شك في أن “الطهرانية” و”الكاليفينية” شكّلتا عاملين أساسيين مهمين في مسيرة الكيان الأميركي الذي لم يكن قد تأسس بعد. فحكمت كل المسار الاستعماري الاستيطاني في القارة الأميركية. الطهرانيون اعتبروا أنفسهم شعب الله المختار “نحن الشعب المتميز المختار، نحن نحمل سفينة نوح، نحن إسرائيل زماننا. والقضايا الكبيرة تعيش في أنفسنا، نحن رواد البشر، نحن الطليعة وبقية الشعوب ستسير خلفنا، أمة بُعِثت لتعبر الصحراء حيث لم تطأ مرة قدم إنسان”.فربطت العملية الاستعمارية بإرادة إلهية تبيح وتشرّع في آن الاحتلال والإبادة لشعوب القارة الأصليين في عملية تشكل الكيان الاستعماري للقارة الأميركية 1627 ولاحقًا في تأسيس الكيان الأميركي 1776.وهم أنفسهم، وعندما سئلوا عام 1846 كيف لكم أن تحتلوا أرض دولة مستقلة كالمكسيك متخطِّين القوانين. فأجابوا، أي قوانين؟ إن “الله قد منحنا إياها” فاحتلال الأرض وقتل شعبها إرادة إلهية لشعبه المختار. أما الكالفينية، فطَبَعت العلاقات المالية الاقتصادية للمستوطنين وللكيان الجديد بمبدأ “ثروة بلا حدود أرباح بلا قيود”.
ضمن مفهوم القدرية والروح الفردية. “إذا نجحت فإن الله قد منحك هذه النعمة، وكل فرد مسؤول عن نفسه، والمجتمع ينقسم بحسب عقيدتهم إلى ناجحين فائزين، وخاسرين. وهذا الخاسر لا يستحق الشفقة؛ لأن البؤس من اختيار هذا البائس”.وبحسب مبدأ “الوعي الذاتي نتشاطره في تشكيلات المجتمع”، رفضوا الدعوة إلى العدالة القسرية من خلال القوانين، واعتبروا أن لا ضرورة للنقابات، فالعامل بمجهوده الفردي يحسن أوضاعه.
وهذه المبادئ لُخصت بعد قرون “بالحلم الأميركي” وأضيف إليها الدارونية الاجتماعية – الاصطفاء الطبيعي بحسب هربرت سبانسر – البقاء للمتفوق والخلّاق والمبدع – من خلال الربط بين الموهبة والعلم، والثروة التي لا يمكن أن تمليها مؤسسات المجتمع “ولا يمكن محوها مهما فعلنا”.
بحسب هذا المبدأ جني الأرباح دون النظر إلى الوسيلة مهما كانت لا أخلاقية وغير قانونية.ولكن كيف تكون البحبوحة؟ والجواب عبر إيجاد الموقع الجديد في الأسواق العالمية بأن تأخذ الشركات الكبرى الأميركية الموقع الريادي في السوق العالمية – وهذا ما كانت عليه الاستراتيجية الأميركية وعمل على تحقيقها منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم بأشكال ووسائل مختلفة. مهدت لهذا كله مع رفع شعار حق تقرير المصير كَمَنْفَذ نحو صراع مع الدول الأوروبية الكولونيالية القابضة على التجارة العالمية. والذي ساهم في نشوء النيوكولونيالية – حيث استخدمت السلطات الأميركية حق تقرير المصير هذا، لإنهاء الوجود الاستعماري القديم البريطاني والفرنسي لإحلال السيطرة الاقتصادية – السياسية الأميركية، على هذه البلدان المستعمرة.
إن حرب الاستقلال التي أنتجت ما نعرفه اليوم الولايات المتحدة الأميركية، وعلى أساس الإعلان الذي وقعت عليه ثلاث عشرة مستعمرة (بريطانية) ذلك الحين، وخاضت هذه المستعمرات معركة الاستقلال بقيادة نخبة من المثقفين. وحرب الاستقلال هذه لم تكن محلية معزولة عن الصراعات الدولية القائمة آنذاك – وفي مقدمها الصراع الفرنسي البريطاني – في أوروبا كما في المستعمرات، فكان الدعم الفرنسي كبيرًا من الأطلسي حتى بحر العرب والباسفيك ومع هولندا.
وكان الجنرال الفرنسي لافاييت أحد الذين ساهموا في القتال مع قواته إلى جانب المطالبين بالاستقلال حتى إنجازه. ورحيل آخر سفينة بريطانية.
هذه النخبة كانت تحمل أفكارًا حداثية – وحاولت منذ اللحظة الأولى لتأسيسها – ومع الرئيس الأول جورج واشنطن، إلى اتباع سياسة حماية الكيان من خلال رفع شعار “العزلة”. وهذه العزلة يبدو أنها كانت ضرورية في فترة بناء الدولة، ومؤسساتها، وجيشها.
وقد جاء في النص “عدم تدخل الولايات المتحدة في النزاعات الدولية” أما دستور الدولة الناشئة، فقد حرص الذين صاغوه – وكان لجيفرسون دور محوري في هذه الصياغة، فأخذوا بعين الاعتبار التجارب الأوروبية بعد الثورات البرجوازية وتحديدًا إنشاء المصارف المركزية كما حدث في بريطانيا والسويد، فكان دستور الولايات المتحدة “دستور بلا بنك مركزي”. وبحسب تبريراتهم “فإن بناء الديمقراطية الحقيقية تهدّدها المصارف المركزية، التي تنتهك السيادة” بحسب نص جيفرسون.
أما السياسة الاستراتيجية، فكانت براغماتية (المنفعة) فهذه العزلة تطورت في مرحلة لاحقة إلى “الحياد” مبدأ الرئيس مونرو – وأي حياد؟ حياد عن الصراعات الأوروبية بشرط أن تحيد أوروبا نفسها عن التطورات في القارة الأمريكية – وقد صيغ هذا المبدأ بعد عدة عقود من التأسيس عام 1823، وكان دفاعيًا مع إمكانية الفعل، وكان الدافع إلى إقراره المخاوف التي نشأت بعد الحروب النابوليونية 1815. والحلف المقدس الذي تأسس في مؤتمر فينا 1816 بقيادة القيصر الروسي. ولأول مرة يعرف العالم مصطلح “الدول العظمى” وفي توجهات مؤتمر فينا – إعادة الأنظمة الملكية إلى الحكم حيث تم إبعادها. وهذا ما أثار مخاوف قيادة الكيان الأمريكي.
وبحسب مبدأ مونرو “تدين الولايات المتحدة الأميركية أي تدخل أوروبي في الشؤون الأميركية كما لا تتدخل الولايات المتحدة في الشؤون الأوروبية.
ونادى بضمان استقلال النصف الغربي من العالم ضد التدخل الأوروبي بغرض اضطهادهم أو التدخل في تقرير مصيرهم”.
ولكن في ظل هذا المبدأ احتلت الولايات المتحدة 52% من أراضي المكسيك، وضمتها كذلك وأخذوا من البريطانيين أوريغون – ومن الإسبان فلوريدا وتكساس ونيو مكسيكو وأريزونا، وتوجت هذه الحروب 1848 بالسيطرة على كاليفورنيا.
وكذلك شنت الولايات المتحدة بين الأعوام 1891 – 1911 عشرات الغزوات بأساطيلها ضد دول أميركا الوسطى والجنوبية. فنزويلا وجمهورية الدومينكان، وهايتي وبعد الحرب مع إسبانيا 1889 سيطرت أميركا على “الحقوق الإسبانية” /مستعمراتها/، كذلك وفي ظل تعديل هذا المبدأ الذي صاغه الرئيس تيودور روزفلت عام 1903 دخلت الحربين العالمية الأولى والثانية.
وجاء في التعديل إعلان الرئيس الأميركي “أن الولايات المتحدة تأخذ على عاتقها دور الدركي في القارة الأمريكية (في منطقتنا)، وحدنا، ولسنا بحاجة إلى أحد”.على مستوى السياسة الداخلية الاقتصادية والمالية. وفي ظل التطورات التي شكلت تحدياً لهذا الكيان. أخذت شكّل الصراع العنيف بين المصارف المركزية والدولة – مع رؤساء وقفوا بصلابة بمواجهة سيطرة المصارف وأبرز هذه المواجهات كانت مع الرئيس أبراهام لنكولن – 1864 في ظل “حرب الاتحاد” عندما احتاج لنكولين لقروض مالية لخدمة الحرب، وكان أن طلب روتشيلد فائدة 36% لإقراضه. فعمد لنكولن كردة فعل إلى طبع الدولار الأخضر ذي الخلفية السوداء. وبعدها بشهر قتل لينكولن غيلة، وألغي الدولار الأخضر.وقبله الرئيس أندرو جاكسون أحد واضعي إعلان الاستقلال ورئيس الولايات المتحدة (1828) والذي سحب الترخيص من بنك الولايات المتحدة الثاني، ورفض الترخيص لأي مصرف مركزي بهذه الإجراءات استطاع تصفية الديون الأميركية.
توماس جيفرسون وهو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة والكاتب الرئيسي لإعلان الاستقلال (1776) وثالث رئيس للإتحاد الذي كتب “أنا أعتقد أن مؤسسة المصارف هي أكثر خطورة من الجيش المسلح. وإذا ما سمح الشعب الأميركي للمصارف الخاصة التحكم بإصدار العملة. فإن المصارف والشركات التي يديرها أصحاب المصارف سوف تسلب الناس جميع ممتلكاتهم إلى أن يستيقظ أولادهم، فيكتشفوا أنهم بلا مأوى في الأرض التي سبق واحتلها أسلافهم”.
