بين شهادة العلم وشهادة الوطن… جيلٌ يدفن أحلامه تحت الركام
انضم الآنتابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في مشهدٍ استوقفني اليوم، وقفت مجموعة من طلاب البكالوريا في بيروت رافعين أصواتهم احتجاجاً على القرارات المتعلقة بالامتحانات الرسمية في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي يعيشها لبنان. لم تكن تلك الوقفة مجرد اعتراض على موعد امتحان، بل كانت صرخة جيلٍ بأكمله أنهكته الحروب والأزمات والضغوط النفسية والمعيشية.
هؤلاء الشباب والشابات لم يعيشوا حياةً طبيعية كتلك التي عاشتها أجيال سابقة. كبروا على وقع الأزمات الاقتصادية، وتدهور الأوضاع المعيشية، والخوف المستمر من مستقبل مجهول، ثم وجدوا أنفسهم اليوم أمام حرب جديدة تضيف إلى أعبائهم ألماً وقلقاً وخسارات لا تُحصى.
فهل سأل أحد نفسه ماذا يشعر طالب يستعد لامتحان مصيري بينما يعيش يومياً تحت وطأة القصف والخوف وعدم الاستقرار؟ هل يمكن للطالب أن يركز على دروسه بينما يخشى على أهله وبيته ومستقبله؟
هناك طلاب فقدوا منازلهم، وآخرون نزحوا من قراهم ومناطقهم تاركين خلفهم ذكرياتهم وأحلامهم. وهناك عائلات فقدت أبناءها شهداء، وأمهات ما زالت دموعهن حاضرة على وجوههن، وأسر تعيش حالة ترقب وقلق لا تنتهي. كما أن كثيراً من الطلاب يعملون إلى جانب دراستهم لمساعدة عائلاتهم في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، ومع ذلك يُطلب منهم أن يخوضوا الامتحانات وكأن شيئاً لم يكن.
القضية اليوم ليست رفضاً للتعليم ولا استهانة بالشهادة الرسمية، بل هي دعوة صادقة إلى مراعاة الواقع الإنساني والنفسي الذي يعيشه الطلاب. فالتعليم رسالة قبل أن يكون امتحاناً، والعدالة التربوية لا تتحقق عندما نتجاهل الظروف الاستثنائية التي يعيشها المتعلمون.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: أين صوت التربويين؟ أين الإدارات التعليمية؟ أين الهيئات الأهلية؟ وأين كل من يعرف أن الطالب ليس رقماً في لوائح الامتحانات، بل إنسان يحمل هموماً وخسارات قد تفوق عمره بسنوات؟
إن أبناء لبنان لا يحتاجون إلى مزيد من الضغوط، بل إلى قرارات تنطلق من فهم معاناتهم واحترام ظروفهم. فالأوطان تُبنى بالشباب، والشباب لا يُبنون بالخوف والإنهاك، بل بالدعم والاحتواء والرحمة.
إن التاريخ لا يذكر فقط القرارات التي اتُّخذت، بل يذكر أيضاً مدى إنسانيتها. واليوم يقف جيل كامل بين شهادةٍ يسعى إليها ليبني مستقبله، وشهادةٍ أخرى قدّمها شهداء هذا الوطن بدمائهم الطاهرة.
فهل يُعقل أن يُطلب من هذا الجيل أن يحمل كل هذا الوجع وحده؟
إنها ليست صرخة طلاب فحسب، بل صرخة وطنٍ بأكمله يطالب بأن تكون الإنسانية حاضرة في كل قرار، وأن يُنظر إلى أبنائه بعين الرحمة قبل عين القوانين والأنظمة.
فبين شهادة العلم وشهادة الوطن، يقف شباب لبنان اليوم… يحاولون إنقاذ أحلامهم من تحت الركام.
سيبقى التعليم رسالة إنسانية قبل أن يكون نظاماً وإجراءات، وسيبقى الطلاب أمانة في أعناق الجميع. فهل من يسمع صرخة جيل أنهكته الحرب قبل فوات الأوان؟
بقلم الأستاذة رقيه حسن النجار
