بعد سلسلة الضربات القاسية التي تلقاها محور المقاومة، ميدانياً واستخباراتياً، أعلنت إيران عن عملية اختراق واسعة لمنظومة الأمن الإسرائيلية، تمكّنت خلالها من الحصول على وثائق ضخمة وحسّاسة تتعلق بالملف النووي الإسرائيلي، إلى جانب ملفات قضائية وشخصية وعسكرية. شكّلت هذه العملية جرعة معنوية لأبناء محور المقاومة، خصوصاً في لبنان، الذين يتعرّضون منذ اغتيال “السيد الشهيد” لحرب متعددة الأوجه، تتصدرها الحرب النفسية التي تهدف إلى كسر معنوياتهم، إذلالهم، ودفعهم للانفضاض عن المقاومة وكسر الحاضنة الشعبية لها، تمهيداً للقضاء عليها.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
اختارت إيران توقيتاً ذهبياً للإعلان عن حصولها على هذا “الكنز الاستخباري”، في لحظة مفصلية سيُحدَّد فيها مصير المفاوضات الأميركية–الإيرانية المتعثّرة، نتيجة الغطرسة الأميركية التي تريد حصر التفاوض في ملف نزع السلاح النووي الإيراني، دون إلغاء العقوبات أو فك الحصار، أي تدمير السلاح النووي بلا مقابل. ويأتي ذلك بالتزامن مع تهديدات إسرائيلية بقصف المفاعلات النووية الإيرانية، بضوء أخضر أميركي، ومن بوابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي ستُجبرها أميركا على إصدار تقرير سلبي ضد إيران لتبرير الضربة.
تعلم إيران أن المنازلة الكبرى بين التحالف الأميركي–الإسرائيلي ومحور المقاومة ستكون معها مباشرة، بعد سلسلة من المعارك التمهيدية في لبنان، غزة، سوريا، واليمن، حيث تمكن التحالف من تحقيق بعض المكاسب. فسقطت سوريا استراتيجياً، وأُبيدت غزة بدعم عربي وتركي، وتعرّضت المقاومة اللبنانية لضربات قاسية، لكنها لا تزال حية، وقادرة على تهديد المشروع الأميركي، ما يدفع واشنطن إلى تصعيد ضغوطها لنزع سلاحها. وقد أدّت هذه “الأرباح” إلى تعزيز فرص الحرب ضد إيران، ومحاولة إسقاط “حكم الثورة” من الداخل والخارج.
حاولت إيران التملّص من الحرب التي يريدها الأميركيون والإسرائيليون وبعض العرب، فصمتت عن الضربات، من اغتيال العلماء النوويين وقادة الحرس الثوري، إلى اغتيال إسماعيل هنية في طهران، والشكوك حول اغتيال الرئيس رئيسي، و”السيد الشهيد”، وقادة المقاومة في لبنان، دون أن تتدخل طوال حرب الـ66 يوماً، لاعتقادها بإمكانية تأجيل الحرب التي تراها غير مناسبة توقيتاً وظروفاً إقليمية ودولية. كما أن الوضع الداخلي الإيراني، المتأثر بالحصار الاقتصادي والاختراقات الأمنية والسياسية والمذهبية والقومية، قد يتحول إلى أداة بيد أميركا ضد النهج الثوري المقاوم.
جاء إعلان إيران عن نجاحها الاستخباري كرسالة مباشرة إلى أميركا، تؤكد فيه قدرتها على الرد بالمثل على أي قصف إسرائيلي لمواقعها النووية، وأن ردّها لن يكون صاروخياً تقليدياً، ما يمنحها مظلة حماية مؤقتة، ويؤخر القرار الأميركي بإنهاء المفاوضات، ريثما تُستوعب الضربة الاستخبارية الإيرانية.
وجّه هذا الاختراق الاستخباري صفعة معنوية ومادية لإسرائيل، التي طالما تباهت بقدراتها الاستخباراتية، والتي بلغت ذروتها في “عملية البيجر” التي سُجلت كأولى عمليات الحرب الإلكترونية والمعلوماتية العالمية.
ويبقى السؤال:
هل ستنجح العملية الاستخبارية الإيرانية في حماية المشروع النووي الإيراني، أم أنها ستفتح أبواب المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران والتحالف الأميركي–الإسرائيلي؟
يتصرف التحالف الأميركي–الإسرائيلي وكأنه يملك اليد العليا، وأن ما تبقى من محور المقاومة في أسوأ حالاته، ما يمنح واشنطن فرصة تنفيذ “المعركة الأخيرة” لقطع “الرأس المقاوم” الذي أقلقها طوال 40 عاماً. وإذا نجحت في تصفيته، فإن الشرق الأوسط بأسره سيقع تحت هيمنتها، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. وستتربع أميركا وإسرائيل على عرش “الشرق الأوسط الكبير” أو “إسرائيل الكبرى”، كقوة مطلقة بلا شريك، مع التمهيد لنشر “الديانة الإبراهيمية” بديلاً عن الإسلام والمسيحية.
لقد اختصرت العملية الاستخبارية الإيرانية المسافة بين الحرب والمهادنة، وسرّعت التوقيت نحو المواجهة المباشرة.
كانت جبهة لبنان الجبهة المركزية في الحرب مع أميركا وإسرائيل، حيث حمت لبنان، وساندت فلسطين وسوريا، وشكّلت متراساً متقدماً لحماية إيران. لطالما كرر القادة الإيرانيون أن المقاومة في لبنان قادرة على زلزلة إسرائيل وكبح جماحها. ولكن بعد اغتيال “السيد الشهيد” والضربات المتلاحقة، اختفى هذا الخطاب الإيراني من الإعلام!
لقد أضعف التردد الإيراني في الرد على اغتيال “السيد الشهيد”، وعدم إسناد المقاومة اللبنانية، موقف المقاومة وإيران ومحور المقاومة ككل. وبدلاً من أن تقاتل إيران ومعها خمس جبهات (لبنان، سوريا، فلسطين، العراق، واليمن)، تجد نفسها اليوم وحيدة، بعدما بات الآخرون في حالة إنهاك ونزيف. وإذا تحركوا باندفاع وعاطفة دون ترميم بنيتهم العسكرية والتنظيمية، فإنهم سيقدمون رؤوسهم للمقصلة الإسرائيلية مجاناً.
دعاؤنا لإيران بالصمود والنصر، حتى لا نخسر جميعاً… ما تبقى لنا.
