لبنان بين مطرقة التسخين الداخلي وسندان التبريد الخارجي: هل نستفيق قبل الانفجار؟/ محمد غزالة
في زمن التحولات الكبرى والانهيارات الصامتة، يعيش لبنان لحظة سياسية دقيقة لا تحتمل المزيد من العبث. فبينما تتكثف دعوات التبريد والتهدئة من العواصم الإقليمية والدولية، ينفجر الداخل اللبناني بمواقف نارية لا تشبه إلا بركانًا صغيرًا يشتعل كلما نفخ فيه بعض اللاعبين المحليين باسم الخارج.
واللافت أن تلك العواصم التي يُستعان بها في الخطاب الداخلي، تبدي حرصًا ومسؤولية في تعاملها مع الملف اللبناني، أكثر بكثير مما يُبديه بعض الأفرقاء المحليين الذين يصرّون على جر البلاد إلى مواجهات مجانية، وركوب أمواج الخارج بدل خوض معارك الإنقاذ في الداخل.
وسط هذا المشهد الضبابي، يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لا يزال يمسك العصا من الوسط، محاولًا تثبيت حدٍّ أدنى من التوازن السياسي في وقت تتأرجح فيه البلاد على حافة الفراغ والمجهول. إلى جانبه، يبذل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون جهدًا هادئًا لكن عميقًا في مقاربة الملفات الكبرى، مستندًا إلى رؤية وطنية جامعة وإصرار على إيجاد حلول واقعية لا شعاراتية.
لبنان مهدد وجوديًا. هذه خلاصة الرسائل التي وصلت، وإن حاول مطلقوها التراجع عنها أو تخفيف وقعها
ولا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن التطورات الإقليمية، لا سيما المشهد السوري المعقّد، حيث بدت قضايا الأقليات وخصوصًا الدروز مؤخرًا، جرس إنذار حقيقيا لمن أراد أن يقرأ. لكن، ويا للأسف، فإن من يفترض أن يتعظ، لا يزال يتعامل بخفة مقلقة، كأن النار بعيدة عن أصابعه.
لبنان مهدد وجوديًا. هذه خلاصة الرسائل التي وصلت، وإن حاول مطلقوها التراجع عنها أو تخفيف وقعها. إنها رسائل مزدوجة: فيها ما يشبه الترهيب، وفيها ما يستبطن الترغيب. لكنّ الأدهى أن البعض تلقاها بترحاب، وكأنها فرص سانحة لإعادة التموضع، لا ناقوس خطر وجودي يقرع بعنف.
في ضوء ذلك، فإن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس المزيد من التصعيد، بل وقفة ضمير سياسي. على اللبنانيين أن يعودوا فورًا إلى رشدهم الوطني، ويضعوا المصلحة العليا للبلاد فوق كل الاعتبارات الفئوية والرهانات المؤقتة. لا بد من الالتفاف حول دعوة الرئيس جوزاف عون لبحث الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، بما تحمله من رؤية متكاملة لحل وطني جامع في ملف سلاح المقاومة، وبما ترسمه من معالم للدولة المقبلة في ظل العهد الجديد.
لقد آن الأوان أن ينتقل لبنان من موقع المتلقي للأزمات إلى موقع المبادر في صياغة الحلول. نعم، يستطيع هذا الوطن الصغير بمساحته، الكبير بتاريخه، أن يفرض حقه بثرواته، وحدوده، وسيادته. يستطيع أن يكون نقطة توازن في هذا الشرق المتفجر، إذا ما توافرت النية، والعقل، والإرادة الجامعة.
وفي ذلك، تكمن بداية العودة إلى الدور الاقتصادي والسياحي، والانفتاح على الخارج من موقع السيادة لا التبعية. فهل نفعل، قبل أن يُصبح التبريد الإقليمي بلا جدوى في وجه التسخين اللبناني؟
